الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤قد يقبل كلام ماسكوراي على نوع من التأويل لأَنَّهُ وصف المرأة الإبَاضِية بالثقافة أو بأنَّها مثقفة. وهذا قد يكون صحيحًا إلى حدٍّ بعيدٍ ــ من حيث الواقع ــ لأنَّ الإبَاضِية لا سيما في الجزائر يسكنون في عدد محدود من المدن طيلة عدَّة قرون، وهم بعداء جدًّا عن طبيعة حياة البدو والرحل، وإن كانوا يعيشون في واحات صحراويَّة. ثُمَّ إنَّ لهم مؤسسة العزابة التي تمَّ تنظيمها في أوائل القرن الرابع الهجري وهي تشرك معها المرأة في القيام بمهمَّة الثقافة والتعليم في ميادين الشريعة كما أنَّ لهم أساليب خاصة في وجبات المرأة المنزليَّة والصناعيَّة، ولا شكَّ أنَّ معاني الحضارة ومظاهرها عند الإبَاضِية من سكان الجزائر أقوى منها وأوضح مِمَّا في كثير من مدن الشطوط والسواحل. وفي مثل هذه المجتمعات المستقرَّة في مدن الواحات العريقة والمحافظة لا نجد غلاابة إذا وصفت فيها المرأة بالثقافة، والثقافة في هذا المجال إنما تعني بالدرجة الأولى، معرفة المرأة لأحكام الدين المتعلقة بها، ثُمَّ بالأسلوب المقبول في السلوك الاجتماعي في الوسط الذي تعيش فيه، وتكتسب لمرأة كثيرًا من ألوان الثقافة الاجتماعيَّة والبيئيَّة بالاقتباس والمحاكاة والتقليد وهذا ــ لا شكَّ ــ متوفر في مجتمع مستقر محافظ محتفظ.
فمسافة البعد بين المرأة الإبَاضِية التي تعيش في هذا الوسط والمرأة الطارقيَّة التي تعيش وراء المواشي متنقلة في الخيام باستمرار مسافة شاسعة لا تجدي فيها المقارنة.
وماسكوراي قد يكون على حق حينما قال إنَّ المرأة الإبَاضِية مثقفة. أمَّا جوتييه وقد وثب وثبة لا حدود لها حين تجاوز مرتبة الثقافة إلى مرتبة العلم فزعم أنَّ الطارقيَّة تحتلُّ علمها وثقافتها مرتبة فوق ما عند المرأة في بلاد المغرب.