الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٥٣وأمَّا أنواع الاجتهادات الفعليَّة التي مدارها على أهل السنَّة والجماعة في بلاد الإسلام فمشهورة مذكورة، مثل المساجد والرباطات المثبتة في بلاد أهل السنَّة، إمَّا في أيَّام بني أميَّة، وإمَّا في أيَّام بني العبَّاس، مثل مسجد دمشق المبنيِّ في أيَّام الوليد بن عبد الملك، وكان سنِّيا قتل في أيَّامه ما شاء الله من الخوارج والروافض».
ويقول بعد أسطر:
«وكان بعض المصريِّين يتغلَّبون ويسعون في عمارة شيء منه ولكن لا موقع لما كانوا يفعلونه مع سوء اعتقادهم».
وبقطع النظر عن دين الوليد بن عبد الملك الذي يقول عنه أكثر المؤرِّخين أنَّه كان جبَّارًا عنيدًا كما جاء في مروج الذهب للمسعوديِّ ص 166 من الجزء الثالث ما يلي:
«وكان الوليد جبَّارًا عنيدًا ظلومًا غشومًا».
فإنَّ الوليد توفِّي سنة 96 والمذاهب التي يطلق عليها لفظ أهل السنَّة لم توجد بعد، فإنَّ أبا حنيفة كان حينئذٍ غلاما ومالك كان ابن سنة واحدة، أمَّا الشافعيُّ وأحمد فلم يولدا بعد، فلو فرض أنَّ الوليد قدَّم من أعمال الخير ما يعتزُّ به المسلمون أو يذكرونه في مقام الاحتجاج فإنَّ ذلك يكون سابقًا لنشأة المذاهب والفرق ولا حقَّ فيه لهم. ودعوى أنَّه كان سنِّيًّا دعوى لا تقوم على أساس، ولو صحَّ هذا لكان الاعتزاز بعمر بن عبد العزيز أولى وأحقُّ، وإذا افتخر أهل السنَّة بما قام به الملوك والأمراء ونسبوه إلى أنفسهم فهل يعتبر من أعمال أهل السنَّة المنجنيقات التي وجِّهت إلى الكعبة، والأعمال الوحشية التي قام بها قادة الدولة الأمويَّة في المدينة المنوَّرة مثلاً، لا شكَّ أنَّ القارئ الكريم يلحظ هنا أصابع السياسة الماكرة وهي توجِّه أقلام العلماء في دهاء لما تريده، فتزيِّن أعمال الدولة الأمويَّة وتعتبرها من أمجاد أعمال أهل السنَّة، بينما تنثني إلى ما يشابه تلك الأعمال لما قام به العبيديُّون فأسقطوه من الحساب بدعوى فساد نياتهم.