الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٥٤هذا بعض ما تفعله السياسة الماكرة في توجيه الأقلام.
أمَّا تعبير المؤلِّف عن الوليد: «وكان سنِّيًّا قتل في أيَّامه ما شاء الله من الخوارج والروافض» فيوهم أنَّه إِنَّمَا اعتبر الوليد سنِّيًّا لأَنَّهُ أمعن في قتل الروافض والخوارج، ولا شكَّ أنَّ الإمعان في قتل المسلمين للمخالفتهم في قول أو رأي يناقض السنَّة، ولا يكون دليلاً على التمسُّك بها ما لم يكن إقامة لحدٍّ من حدود الله، وقد قال الرسول (ص):
«أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله فإذا قالوها فقد عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إِلاَّ بحقِّها». وإذا جاز له أن يعتبر الوليد بن عبد الملك سنِّيًّا وأعجبه أنَّه قتل في أيَّامه ما شاء الله من المسلمين الآخرين أفلا يعتبر الحجَّاج أيضًا سنِّيًّا ويعجبه أيضًا العدد الهائل الذي قتله الحجاج!، قال المسعوديُّ في مروج الذهب ص 175 من الجزء الثالث ما يلي:
«وأحصى من قتله سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفًا، ومات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهنَّ ستَّة عشر ألفًا مجرَّدة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد».
أبُو الفتح الشهرستانِي والإباضيَّة
اشتهر أبو الفتح محمَّد بن عبد الكريم الشهرستانيُّ في النصف الأوَّل من القرن السادس الهجريِّ، وقد ذاع صيته بين كتَّاب المقالات في العقائد. ويعتبر كتابه (الملل والنحل) من أهمِّ المراجع في هذه المواضيع وكثير من كتَّاب اليوم يعتمدون عليه كمصدر محقَّق ثابت لا يناقش. ويهمُّنا أن نرافق هذا المؤلِّف الكبير بعض الوقت لنستجلي موقفه، ونرى هل استطاع أن يتجنَّب الأخطاء التي وقع فيها من سبقوه؟
يقول أبو الفتح في كتابه (الملل والنحل) الجزء الأوَّل من الطبعة الأولى مكتبة الحسين التجاريَّة ص 4 ما يلي:
«ومن المعلوم الذي لا مراء فيه، ليس كلّ من تميَّز عن غيره بمقالة ما في مسألة ما عُدَّ صاحب مقالة».