الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٥٧

وسِنْخ القدريَّة طلب العلَّة في كلّ شيء وذلك من سِنْخ اللعين الأوَّل إذ طلب العلَّة في الخلق أولاً والحكمة في التكليف ثانيًا، والفائدة في تكليف السجود لآدم عليه السلام ثالثًا. وعنه نشأ مذهب (الخوارج) إذ لا فرق بين قولهم (لا حكم إِلاَّ الله)(1) ، ولا يحكَّم الرجال، وبين قوله: لا أسجد إِلاَّ لك، ﴿آسجد لبشرٍ خلقته من صلصال﴾ وبالجملة «كلا طرفي قصد الأمور ذميم». (فالمعتزلة) غلوا في التوحيد بزعمهم حتَّى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات (والمشبِّهة) قصَّروا حتَّى وصفوا الخالق بصفات الأجسام (والروافض) غلوا في النبوَّة والإمامة حتَّى وصلوا إلى الحلول. (والخوارج) قصَّروا حيث نفوا تحكيم الرجال، وأنت ترى أنَّ هذه الشبهات كلُّها ناشئة من شبهات اللعين الأوَّل. وتلك في الأوَّل مصدرها، وهذه في الآخر مظهرها».

وهكذا ترى من أوَّل الأمر أنَّه حاول أن يربط بين إبليس وأصول الفرق بتلك الخيوط الضعيفة التي توهَّم صلاحيتها للربط، فهو قد حكم عليها مسبقًا بالضلال والزيغ واتِّباع الهوى، وإنَّما يوردها ليحدِّد بها الإحصائية ويلتمس لها المبرِّرات التي تجعلها ضمن الموكب الضخم الذي يدفعه كتَّاب المقالات إلى الهاوية.

وفيما يَتَعَلَّق بوعده أَلاَّ يكتب عن أيَّة فرقة إِلاَّ بناء على ما يجده في كتب علماء تلك الفرقة فيؤسفني أن أقول: إنَّ الإمام الشهرستانيَّ قد أخلَّ بوعده ولم يوف به، ولم يعمل بالشرط الذي شرطه على نفسه، هذا على الأقلِّ بالنسبة إلى الإباضيَّة، ولست أدري موقفه من كتب الفرق الأخرى، وإن كنت أحسب أنَّه لا يختلف.

(1) - هذه الكلمة مقتبسة من القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إنِ الحكمُ إِلاَّ لله﴾ (سورة الأنعام وفي سورة يوسف). كلُّ ما فعله من قال هذه الكلمة أنَّه أتى بـ«ما» [كذا لعلَّ الصواب: لا] النافية بدلاً من «إن» النافية.

٥٧ / ٥١١