الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٦٤

ولكي نوضِّح للقارئ الكريم هذين الموقفين يجدر بنا أن نعود إليهما بشيء من التفصيل. كان الأستاذ الغوابي يلخِّص حركة الخوارج في مجرى التاريخ حسب مصادره السابقة وتتبَّعها حتَّى ذكر أنَّ أهل النهروان قتلوا جميعًا ولم ينج منهم إِلاَّ تسعة أشخاص من أربعة آلاف، وتذكر تلك المصادر أنَّ الأربعة الآلاف لم يستطيعوا أن يقتلوا من محاربيهم إِلاَّ تسعة أشخاص كأنَّما كان أولئك الناس مقيَّدين لا يحملون سلاحًا، وأنَّ أولئك التسعة الذين نجوا من تلك المجزرة الرهيبة تفرَّقوا في البلاد، ولا شكَّ أنَّ من كان على مثل هذه الحالة لا يستطيع أن يقوم بحركة في مدى قريب، ولكنَّه فوجئ وهو يستعرض أحداث التاريخ بأنَّ العصر الأمويَّ ــ ابتداء من معاوية وبعد أن قُتل المحكِّمة كلُّهم على ضفَّة النهر ــ كان مشحونا بحركة دائبة للخروج، فلم يظهر له كيف يربط الصلة بين المحكِّمة الذين قضى عليهم حسبما تذكر المصادر وبين حركة الخوارج فيما بعد، ويتساءل عن هذه العلاقة فيما بينهما في حيرة، ولكنَّه لا يحظى بجواب لأنَّ المؤرِّخين السابقين لم يقدِّموا أيَّ شيء عن ذلك، بل إنَّهم لم يهتمُّوا أو لم يحسُّوا به، ولذلك فهو يستسلم في ارتياب وحيرة، ثُمَّ يتَّخذ موقفًا ظنَّ أنَّه يقدِّم بعض الحلِّ إذا لم يقدِّم الحلَّ كلّه، فاعتبر المحكِّمة سلفًا للخوارج ولو أنَّه لم يستطع أن يوضِّح هذه الرابطة السلفيَّة أو يقدِّم لها تفسيرًا اللهمَّ إِلاَّ إذا كان يراها ــ فيما بينه وبين نفسه ــ وراثة فكريَّة أو نسبيَّة غير مباشرة. ذلك أنَّ المحكِّمة إِنَّمَا كان الخلاف بينهم وبين أمير المؤمنين عليٍّ وقد انتهوا في سنة 37 من الهجرة.

٦٤ / ٥١١