الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٨٦ورغم أنَّ الأستاذ أبا زهرة يعترف أنَّ الإباضيَّة يتَّسمون بالاعتدال وينصفون مخالفيهم، وأنَّ لهم فقهًا جيِّدًا مدوَّنًا، وأنَّ لعلمائهم جهودًا في تحرير مذهبهم، فإنَّ هذا كلّه لم يشفع للإباضيَّة عند أبي زهرة أن يخرجهم من نطاق الخوارج، أو حتَّى من هذه التسمية الجديدة «الأحزاب الدينيَّة»، ورغم أنَّ مثل هذه الصفات أو أقلَّ منها للزيديَّة والجعفريَّة من الشيعة فاعترف بهم الأستاذ أبو زهرة وكتب عن فقههم ومذاهبهم. إِلاَّ أنَّ موقفه من الإباضيَّة كان ــ فيما يظهر لي ــ موقف الرجل الذي يعرف الحقَّ في قضيَّة من القضايا فيدور حوله، ويصفه من بعيد، ولا يجسر أن يعلنه صراحة، لأنَّ رواسب معيَّنة تحول دون ذلك.
قد يعذر الأستاذ أبو زهرة عندما يكتب عن فرق منقرضة لم تخلِّف وراءها كتبًا، فيلتجئ إلى ما كتبه عنه غيرهم، ويستند إلى ما قالوه، ولكن ما عذر الكاتب المحقَّق عندما يكتب عن الإباضيَّة في هذا العصرمعتمدًا على مصادر قد قد ألِّفت في عصور بلغت فيها التوجيهات السياسيَّة، والتعصُّب المذهبيُّ أسوأ ما يبلغه التوجيه في التشنيع على المخالفين؟
الأستاذ أبو زهرة يعيش في القاهرة، وفي القاهرة يعيش معه عدد كبير من علماء الإباضيَّة الموثوق بعلمهم، وفيهم أصدقاء للشيخ أبي زهرة، وفي القاهرة «دار الكتب» وفي دار الكتب مجموعة قيِّمة من كتب الإباضيَّة ما بين مطبوع ومخطوط ومصوَّر، منها في العقائد، ومنها في الفقه، ومنها في الأصول، ومنها في التاريخ، ومنها في الشغب الحاصل بين فرق الأمَّة والاحتجاج والرَّد، ولا شكَّ أنَّ الأستاذ أبا زهرة اطَّلع على بعضها، ومن ذلك الاطِّلاع عرف أن للإباضيَّة فقهًا جيِّدًا مدوَّنا، وحكم بأنَّهم معتدلون منصفون لمخالفيهم.
وكُنَّا نتوقَّع منه عندما يريد أن يذكر جملة من مقالاتهم أن يسلك أحد منهجين: إمَّا أن يعبّر عن مقالاتهم بلغته وأسلوبه هو، وأن يقرِّرها بعباراته بعد أن يستوعبها من مصادره.