بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ١١٨الله تعالى
قلنا: اسناد الخلق إلى عيسى عليه السلام في الآية مجاز لا حقيقة، لأنه من اسناد الفعل الى سببه لا إلى موجده، فعيسى عليه السلام سبب لإيجاد تلك الهيئة، لا موجد لها على الحقيقة، وإنما الموجد هو تعالى، ومنها قوله تعالى وتخلقون افكان قلنا: معنى تخلقون تفترون أي وتفترون كذبا، ومنها قوله تعالى ويجعلون الله ما يكرهون، قلنا: معنى الجعل هنا الوصف لا الخلق، أي ويصفون الله بما يكرهون من وجود البنات لهم، والآية رد على المشركين في زعمهم أن الملائكة بنات الله، ومنها قوله تعالى وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة أي ومن المعلوم أن العرب قد جعلوا البحيرة والسائبة، فنفى ربنا أن يكون هذا الجعل من، فصح من فعلهم، قلنا: نفى ربنا عز وجل جعل التبحير وما بعده دينا - أي لم يشرع للعرب ذلك ـ وانما ابتدعوه من وانما ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، لا لأنهم هم الخالقون لها صفة التبحير، فالمنفي هو شرعية معتقدهم في البحيرة وما بعدها ليس الا، ومنها قوله تعالى في قصة يعقوب ـ عليه السلام: بل
فعله
أنه
-
-
سولت لكم أنفسكم أمراكله، وقوله تعالى وفطوعت له نفسه قتل أخيه الله
،
أما تسويل النفس وتطويعها فالمراد به ترغيبها في ذلك الفعل وتزيينه لفاعله، لا
إنها هي التي أوجدت فعل ذلك، فسقط تعلقهم بهذه الآيات والحمد لله
ومما استدلوا به من العقليات أنهم قالوا لا تخلو أفعال العباد من أحد ثلاثة أمور: إما أن تنسب اليه تعالى وحده، أو تنسب اليه وإلى العبد معا، أو تنسب إلى العبد فقط) فبطل الأول لإستلزامه الجبر الآتي بيان بطلانه فيما سيأتي قريبا إن شاء الله، وبطل الثاني لإستلزامه مشاركة الله في أفعاله وهو تعالى منزه عن ذلك، فببطلان هذين الوجهين ثبت الثالث، قلنا: لا نسلم إستلزام مشاركة الله في أفعاله على ثبوت الوجه الثاني، لأن لفعل العبد جهتين: جهة ايجاد، وهي الجهة التي يخرج بها فعل العبد من العدم الى الوجود: وبهذه الجهة تتعلق قدرة الباري تعالى. وجهة اكتساب: وهي اضافة ذلك الفعل الى العبد اختيار العبد لذلك، وبهذه الجهة تتعلق قدرة العبد، فالله تعالى إنما يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد له، وتوجيه القدرة اليه لاكتسابه، فالعبد مكتسب، والله تعالى موجد، واذا اختلفت الجهتان انتفت المشاركة، فقد سقط بحمد الله ما تعلقوا به، ولنرجع
-
118
-