بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ١٢١الآية، ولا في شيء من نظائرها، لأنها إخبار عن نفوذ قدرته تعالى وتأثير إرادته أي فلو شاء أن يفعل لهم الهداية لفعل لهم ذلك، لأنهم لا يعجزونه، لكنه اقتضت حكمته تخييرهم بين الهداية والضلالة، وقد جعل لهم قدرة صالحة لإكتساب أي واحد شاءوا، فلا جبر وإذا عرفت سقوط تعلقهم بهذه الآيات، فارجع الى الوقوف على الاحتجاج عليهم، وبيان ما يؤدى اليه مذهبهم فاعلم أن الإحتجاج عليهم من الكتاب العزيز كثير، منها ما أوردته المعتزلة استدلالاً لهم على خلق أفعالهم، فإن جميع في ذلك مناف للجبر الذي زعمه هؤلاء، ومنها آيات الإكتساب، فإنها مصرحة بإضافة الكسب إلى العبد قطعا، وإذا ثبت لهم الكسب انتفى الجبر، لأنهما
متضادان
ما
مر
وأما ما يؤدي اليه مذهبهم من البطلان فهو ما أشار اليه الناظم بقوله: (لو كان هذا .. الخ)، أي لو صح مذهب الجبرية وثبت القول بالجبر للزم عليه بطلان الأمر والنهي والوعد والوعيد، لأن العبد اذا لم يكن له قدرة على فعل شيء من المأمورات، ولا على ترك شيء من المنهيات كان توجيه الأوامر والنواهي اليه عبثا ينزه الباري تعالى عنه، واذا بطل توجيه الخطاب اليه بالأمر والنهي بطل توجيه الوعد والوعيد اليه، لأن الوعد مترتب على فعل الأوامر، والوعيد مترتب على فعل المناهي، وإذا بطل هذا كله بطل إرسال الرسل، لأنهم انما يرسلون لذلك ومع بطلان ذلك فلا فائدة ولا حكمة في الإرسال، فيؤدي مذهبهم إلى إبطال النبوات كما ترى، نعم ويؤدي إلى إبطال التكليف رأسا، لأن من لا إكتساب له ولا اختيار لا يصح في الحكمة تكليفه، كما لا يصح تكليف النباتات والجمادات، وهذا معنى قوله وجاز تكليف الجماد كالنبل جمع نبيل وهو
العاقل
انه لما كان للجبرية شبه في خلق الله
،
تعالى لأفعالنا، وفي علمه بهن وفي
ارادته لهن، أخذ يدفع وجه الشبهة في ذلك، ويبين أن هذه الأشياء كلها لا تستلزم
الجبر، ولا تنافي الإكتساب فقال:
1210
-
-