بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ١٥٩ولم يرد تلائب من ذنبه حتى يرى الموت دنا من قربه أو تطلع الشمس من المغرب قد أتى عن المختار فيما قد ورد
أي وعد ربنا تعالى بقبول التوبة، فلا يرد تائب عن ذنبه من قبولها إذا أتى بها في وقتها الذي تقبل فيه، ووقتها الذي تقبل فيه هو العمر كله إلا في موضعين: أحدهما: وقت الغرغرة بالموت ومشاهدة أسبابه فإن التائب في هذا الوقت لا تقبل منه توبته إذا كان قبل ذلك الوقت مصراً، لأن توبته حينئذ لا عن اختيار اختيار منه لها وإنما كانت منه إضطرارا لما تيقن من حضور الموت وانقضاء الدنيا عنه، والدليل على ذلك قوله تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني توبتُ الآن وقوله الا الله إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر)، وروى عطاء أنها تقبل قبل موته ولو بفواق ناقة والموضع الثاني: وقت طلوع الشمس من مغربها فإن طلوع الشمس من مغربها علامة لقيام الساعة وهو بعض وهو بعض آياتها، وقد قال تعالى ويوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وقال الله (التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، وفي حديث آخر للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاما لايزال كذلك حتى يأتى بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها)، وفي حديث آخر (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، ومعنى يبسط يده: أي يسدى نعمته ويسبلها على من توجه إليه تائبا، كل ذلك ترغيب للعباد في المسارعة إلى التوبة، والله أعلم. وإنما كانت التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأن بطلوعها يتيقن انقضاء
إنما هو
هنا
الدنيا وفناؤها، وقدوم الاخرة وبقاؤها، فتوبة التائب ضرورية لا إختيارية، ومن لم تقبل توبة فرعون لأنه إنما تاب بعد تيقنه الهلاك وبعد علمه بانقضاء دنياه، وفي ذلك الحين قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين، فقيل له على جهة الإنكار عليه الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، وهلاك
فرعون ورد توبته مما انطبقت عليه الأمة ودلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
،
-
109
>>