بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ١٦٧نفسه
النفس وكتفريقها وكقتلها، فإن في هذه الصور كلها لا يجوز لأحد أن ينجي بفعلها، لكن اشتهر عندهم جواز التقية بفعل الأشياء التي أبيح فعلها للمضطر كأكل الميتة والدم، وهذا الجواز وإن كان على قول بعضهم فهو مشهور في آثارهم فيدل على أن كلامهم في منع التقية بالفعل مجمل لابد له من تفصيل، وتفصيله أن نقول: إن الفعل الذي يكره عليه الإنسان إما أن يكون به ضرر بالغير كحرق النفس وغرقها وقتلها، وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير لكن فيه إتلاف لمال الغير، وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير ولا إتلاف لماله، فإن كان فيه ضرر بالغير فهو الممنوع اتفاقاً وإن كان فيه إتلاف لمال الغير فيخرج فيه الخلاف المذكور في جواز التقية بالقول بشرط ضمان ذلك المتلف، والذي ليس فيه ضرر بالغير ولا إتلاف لماله نوعان: أحدهما: فعل لا يقبل الجبر والإكراه، بمعنى أنه لا يتأتى فعله عند ذلك كالزنا فإن فعله لا يصدر إلا عن إختيار من الرجل دون المرأة فلا يحل للرجل التقية به ولا للمرأة أن تساعد عليه.
وثانيهما: فعل يقبل الإكراه والجبر، وذلك كأكل الميتة وأكل الدم وأكل لحم الخنزير ونحو ذلك مما أبيح لنا فعله في الاضطرار اليه، فأجاز التقية به قوم ومنعها به آخرون، حجة المحجوزين للتقية به أن هذه الأشياء قد أباحها الله لنا في حال الإضطرار
،
من
لها، ومقام الجبر والإكراه مقام اضطرار، فجاز لنا لذلك، وأيضا فإن الحكمة شرعية الإباحة لفعل ما ذكر عند الاضطرار إنما هي حفظ النفس وهي حاصلة هاهنا، قال المانعون: إن إباحة ما ذكر مقيدة بالإضطرار في المخمصة، فلا تكون الإباحة في المخمصة وإن إضطر إلى فعله، قلنا: ذكر المخمصة في الآية لا مفهوم له، وإنما هو جار على الأغلب من أحوال الإضطرار، فإن الغالب من حال الإضطرار الى أكل ما ذكر إنما هو في حال المخمصة، والتقييد بالأغلب المعتاد لا مفهوم له، لأنه لم يذكر للقيد، فبهذا التحقيق يظهر لك صحة القول بجواز التقية بأكل نحو الميتة، والله أعلم.
غير
ومكره جاء بما الحد يجب عليه في أن لا يحد نستحب
167