بهجة الأنوار: شرح أنوار العقول في التوحيد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ٨٤

وأراد بابن الخطيب الفخر الرازي، ومنها قوله تعالى لكليمه عليه السلام ولن تراني) الآية، حين قال له ربي أرني أنظر اليك فلو كانت الرؤية جائزة في حقه تعالى لما علقها بالمستحيل في جوابه لكليمه عليه السلام، وذلك قوله تعالى ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فعلق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل في علمه تعالى محال، والمعلق على المحال محال مثله، ألا ترى أن أحدنا يقول: آتيك اذا شاب الغراب أي ابيض شعره) وابيضاض شعر الغراب محال، فالإتيان محال مثله، لتعلقه به.

قالوا: استقرار الجبل ممكن في نفسه، والمعلق بالممكن ممكن مثله قلنا: إمكانه في نفسه إنما هو بحسب جهلنا بحقائق الأشياء أما عند من علم الحقائق فاستقراره محال، فظهر أن الاستقرار ليس بممكن في نفسه، وإنما كان إمكانه بالنظر الى عدم اطلاعنا على الحقائق، والرب تعالى عالم بها وبعدم استقرار الجبل، وعلق وقوع الرؤية عليه، فصح ما قلنا، والحمد الله.

ومن يدن بها بكفر النعم فاحكم له والشرك ان يجسم كأن يقول يده مثل يدي أو وجهه كوجه بعض الأعبد

أي واحكم على من قال بجواز الرؤية في حقه تعالى، وعلى من قال بوقوعها في الآخرة بكفر النعمة وهو النفاق، فإن مجوز ذلك والقائل به لا شك أنه فاسق لمخالفته العقل والنقل، فقضى الشرع بفسق من خالفه، هذا اذا لم يقل بتجسيم الباري، أما اذا قال: انه يرى على كتيب، أو جالسا على كرسي، أو له صورة کصورة الانسان، أو على صورة أحد من خلقه، أو له وجه كأوجهنا، أو يد كأيدينا، أو نحو ذلك، فهذا مشرك، وكذا من قال: انه يرى في الدنيا مشرك أيضا، لمكابرته العقل والنقل بلا شبهة يتمسك بها، وانما لم نشترك من قال: بأنه تعالى يرى في الآخرة لتأوله الكتاب، والمتأول اذا لم يوافق الحق في تأويله فليس بمشرك، لكنه منافق، والله سبحانه تعالى أعلم.

-

84

-