الإباضية مذهب إسلامي معتدل لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٦وكما ظُلم الإباضية عند كتاب العقائد، ظلمهم المؤرخون أيضا فاعتبروهم كذلك فرقة من الخوارج ثم ألصقوا بهم كل ما ألصقه الإعلام الأموي والإعلام الشيعي-بحق وبباطل-وبصدق وبكذب-بالخوارج، ونسبوا إليهم هكذا على التعميم كل ما ينسبونه إلى أولئك من أعمال العنف، وغلاظة الطبع، وجفاء البداوة، وشذوذ المعاملة، وجمود الفهم، رغم أن الإباضية لم يقوموا بأي عمل من أعمال العنف طوال تاريخهم في غير حالات الدفاع. وحتى عندما استطاعوا أن يغيروا بعض أنظمة الحكم فإنما قام عملهم على الدعوة والإقناع، وتم لهم ما أرادوه دون أن يجرِّدوا سيفا أو يزهقوا روحا، فقد غير نظام الحكم في ليبيا ثلاث مرات دون أي عنف، بل كان الإمام الذي ينصبونه يدعوا إليه الحاكم السابق ويخيِّره بين البقاء بحقوقه وواجباته كأي مسلم أو الخروج إلى مكان يريده سليما بماله ومن يشاء من أهله. وبنفس الطريقة تم تكوينهم للدولة الرستمية. ومنذ تم القضاء على آخر أئمتهم من الدول القائمة في ليبيا حوالي سنة 154هـ لم يحاولوا الخروج على الدول التي قامت فيها وتبادلت عليها الحكم من بعد.
ومنذ سقطت الدولة الرستمية في الجزائر سنة 296هـ لم يحاولوا الخروج على الدول التي انتصبت هنالك، ولم يقوموا ضدها بأي شيء من العنف. ومع ذلك فإن المؤرخين لا يرحمونهم وينسبون إليهم استعمال العنف والشغب ومحبة القتال، ويرددون مع كتَّاب المقالات عبارتهم المألوفة، التي لا يكاد يخلوا منها كتاب (والإباضية يرون إزالة أئمة الجور بأي شيء قدروا عليه بالسيف أو بغيره). ويضيف إليها أحد المؤرخين قوله:(ولن تغمد السيوف ويتوقف القتال في الأمة الإسلامية ما دام لهم وجود ولهم أنصار).
ولعل كراهة الإباضية لإراقة الدماء وهروبهم من الفتن، جرأ عليهم مخالفيهم فشددوا عليهم الهجوم، ولاحقوهم باستمرار، واستحلوا منهم مالم يستحلوا هم من غيرهم فكان ذلك سببا في تناقص عددهم وانحصارهم في أماكن محدودة ضيقة.