الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠٠البيان تكليف بما لا يطاق، وإن قلنا بجواز العمل بظاهره مع تقدير أن المراد غير ظاهره استلزم ذلك تخلّف مراد الله تعالى أنه أراد غير الظاهر فعمل هذا بالظاهر، وعلى كل حال فلا يجوز عندنا تأخير البيان عن وقت العمل وهو وقت الحاجة إليه، فإن أخر وحضر الوقت علمنا أن المراد الظاهر إذ لو أراد الله غير ظاهره لبينه والله أعلم.
س - عن قول من منع النسخ في القرآن ما حجته وما يقول في الآيات الناسخ بعضها لبعض وأيضا ما يقول في قوله تعالى: (مَا نَنْسَحْ مِنْ آيَة أو تنيهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا).
ج - قائل ذلك أحقر من أن يلتفت إليه فكيف يلتمس له الحجة ولعله يحتج بقوله تعالى: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) وذلك أن النسخ إبطال وقد دلت الآية أن القرآن لا يأتيه الباطل من كل جهة قلنا دلت الآية على نفى الباطل عنه لا الإبطال، والفرق بين الإبطال والباطل ظاهر، وذلك أن الإبطال الإضراب عن الشيء والبطلان كونه باطلا في نفسه وهو مخالفة الحق، ولعله يتمول فى الآيات الناسخ بعضها لبعض أنها مخصصة للسابقة بالزمان الماضى، كما نقل عنه أنه يقول بذلك وعليه فيكون قد أنكر التسمية لا المعنى فإنه يوافق في نقل الحكم الأول إلى حكم غيره لكن لا يسميه منسوخا بل مخصصا بالزمان الأول، وذلك أن الأحكام المنسوخة مخصوصة بأوقات معلومة وبانقضاء تلك الأوقات يكون النسخ كتخصيص بقاء شريعة عيسى عليه السلام بالزمان الذي بينه وبين بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى أهون من إنكار نفس النسخ وإن كان قوله تعالى: (مَا نَنْسَحْ مِنْ آيَةٍ (يعارضه فليس الخلاف في التسمية كالخلاف
في المعاني والأحكام والله أعلم.