العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤٣

-

343

-

الثالثة الأخرى) خشى المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به كعادته إذا ذكرها فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه فى تلاوة النبي عليه السلام على عادتهم في قولهم: (لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيه (1)) أى أظهروا اللغو برفع أصواتكم تخليطا وتشويشا عليه، ونسب ذلك الشيطان لأنه الحامل لهم عليه. أو المراد بالشيطان شيطان الإنس. وقيل المراد بالغرانيق العلى: الملائكة، وكان الكفار يقولون الملائكة بنات الله ويعبدونها فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى) فاما سمعه المشركون حملوه على الجميع وقالوا: قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك فنسخ تينك الكلمتين وهما قوله: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي وأحكم آياته قلت هذا ليس بشيء، لأنه لو كان كذلك لما جعل من إلقاء الشيطان لأنه وحى أوحى ثم نسخ، وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن فترصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاكيا صوت النبي صلى الله عليه وسلم بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قول النبي وأشاعها. قال القاضي: وهذا أحسن الوجوه ولا يستحسنه ابن العربي أيضا وسبق إليه الطبري فصوبه

ذلك فهو باطل أيضا إذ لو كان للشيطان قدرة على ذلك

قلت ومع لا لتبس الحق بالباطل، وتشبه الشيطان بالنبي واختلط على الناس أمر دينهم. فإن قيل إن ذلك كله ينتفى بقوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ (لأنه تعالى أخبر بأن ذلك لا يبقى قلنا عدم بقائه غير رافع لما ذكرنا من التلبيس، وأقل ذلك جواز الشك في المسموع هل هو النبي أم الشيطان؟ فإنه متى ماجوزنا أن تكون للشيطان تلك القدرة فى التشبه بصوته عليه الصلاة والسلام لزم من ذلك تجويز الشك في المسموع حتى يأتى ما يزيله، ومن المعلوم أن الشك في ذلك باطل

(1) الآية؟ من سورة فصلت

٣٤٣ / ١٬٥٦٦