العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤٤

--

344 -

وكفر فلو جوزناه لجوزنا الكفر في بعض الأحوال، وذلك باطل فبطل هذا الوجه الذى استحسنه هؤلاء الرجال. وإذا ظهر لك مافى هذه الاحتمالات كلها علمت أن الصواب إنكار القصة من أصلها وإذن نرجع إلى تفسير معنى الآية وهى قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِي إلا إذا تَمَنَّى ألقَى الشَّيْطَانُ في أُمْنِيَّتِهِ) ..

إعلم أن حقيقة التمنى طلب ما ليس معك، والأمنية ما بولغ في تمنيه كأحدوثة للحديث المستحسن جدا، ويطلق مجازا على القراءة قال تعالى: ((1) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِي) أى إلا قراءة لأن

الأمي لا يعلم القرآن من المصحف وإنما يعلمه قراءة قال حسان:

تمنى كتاب الله أول ليله و آخره لاقى حمام المقادر قيل إنما سميت القراءة أمنية لأن القاراء إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها، وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يُبتلى بها، فهذان وجهان في معنى التمني والأمنية، فإن حملناها على المعنى الأول وهو طلب غير الحاصل فالمعنى أن النبي عليه السلام متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور وسوس الشيطان إليه ودعاه إلى مالا ينبغى كالاشتغال بالدنيا قال صلى الله عليه وسلم: (إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة، أى يغشاه الشيطان بالوسوسة ثم ينسخ الله ذلك بمعنى يزيله ويبطله، وإن حملناها على المعنى الثانى الذى هو القراءة فالمعنى بإلقاء الشيطان فيها ما يجوز أن يسبهو الرسول عليه الصلاة والسلام فيه ويشتبه على القاراء دون مارووه من قوله: تلك الغرانيق العلى، وذلك مثل ما يقع في التلاوة من السهو الممكن وقوعه منه صلى الله عليه وسلم فإنه إذا وقع منه مثل ذلك سهوا حق له أن

يحزن وحينئذ يستوجب التسلية من قبل ربه تعالى فهذان المعنيان قد (1) من الآية 78 من سورة البقرة.

٣٤٤ / ١٬٥٦٦