الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤٥-
445 -
آحاداً أو مستفيضا فلا يفيد على الأصح إلا الظن. فأين موضع التكفير في هذا كله؟ على أن المسألة مسألة اجتهاد لا قطع. فإن قيل نعل تحنيث قد تواتر واشتهر عند أئمتكم فحكموا في ذلك بحكم اشتهر التوتر والعذر للجاهل إنما يكون فيما لم يرتكبه من المحرمات. فإن ارتكب محرما ضاق عليه جهله، وقامت عليه الحجة ممن كان وهم إنما يكفرون شاربه نعم هذا حكم المتواتر إن ثبت لكن لا سبيل إلى إثبات التوتر في ذلك لأن التواتر لا يختفى كالشمس في رابعة النهار
قلنا
فإن قيل كثير من الأحاديث كانت متواترة في أول الأمر، ثم صارت آحادية بموت النقلة، فلو لم يؤخذ يحكمها السابق لزم عليه تنافى الأحكام، وتداعيها من أصلها حيث يحكم أولا بالقطع في شيء، ثم ينقل ذلك الحكم بعينه ظنا في غير ذلك الزمان فيصير المقطوع مظنونا، والفاسق بارتكابه مؤمنا: وهذا لا يصح أن يقال به. قلنا إن ثبت الحكم بالقطع في شيء من الأشياء فلا سبيل إلى رفع القطع عنه والدين لا يزول من مكانه، والأحكام لا تتناقض، وأنى لكم بأنه قدحكم بالقطع في هذه المسألة في العصر الأول؟ فإن قيل فإذن ما وجه كلام الإمام أبي سعيد في تكفير شاربه؟ قلنا الله أعلم بذلك، والذي يظهر لى أنه لم يجد خلافا بين الأصحاب في المسألة؛ فقال بالتكفير فيها لظنه الإجماع في المسألة وهى وإن اتفق الأصحاب عليها فليست من مسائل الدين، ولا من مسائل الإجماع، وكثير ما تنطبق كلمتهم على قول واحد، وهم يعترفون بأنه موضع اجتهاد، ومقام اختلاف، ويسوغون لمن جاء من بعدهم القول فيه، وكثير ما يتفق أهل المشرق على قول لا يذكرون فيه خلافا ثم يذكر أهل المغرب في ذلك الشي بعينه قولا آخر، والتكفير تفسيق وتضليل لا يمكن أن يكون في شيء من مسائل الاجتهاد، لأن المختافين فيه على صواب مالم يضلل