الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٧٨478
-
طريق اللغة، أو من طريق الشرع، قال وذلك أن قول من قال مقدار ما تبلغ رائحة القدر، يدل أن قائله اعتبر في ذلك أن من يؤذيه بقتار قدره فهو جاره، وعليه أن يعطيه منه، ومن لم يبلغه فليس بجاره ولا يجب عليه حقه إذا لم يؤذه به، قال وكذلك على هذا المعنى من اعتبر مقدار صوت المغرف، قال: والجار في اللغة مأخوذ من تدانى مساكنهم بعضهم من بعض
وهو المجاورة، والجيران النّاس المتجاورون، وحاصل کلامه رحمه الله أن الخلاف في ذلك مبنى على قاعدتين: منهم من اعتبر المعنى الشرعي كف الأذى وهو عن الجار فتحرى أقصى ما ينتهى إليه الاذى بين المساكن فجعلهم جيرانا. ومنهم من اعتبر الاسم اللغوى وهو لفظ، الجوار فاعتبر القرب والبعد فمن كان قريبا كان جارا، ومن بعد خرج عن الجوار. ثم اختلفت أنظارهم في تحديد ذلك على حسب اختلاف أفهامهم في القرب والبعد وهاهنا قاعدة ينبغى أن ينبه عليها، وهى اختلاف العرف بين أهل النواحى في صفة الجوار، فإن لكل أهل ناحية من الأرض عرفا في ذلك ولكل منهم عادة يعدون التمسك بها صلة، وتركها قطيعة، من أجل هذا المعنى اختلف معنى الجوار بين القرى والبوادى، فحدوه في القرى بالبيوت، وفى الفلاة بقبس النار، وما ذاك إلا لاختلاف أحوالهم وتباين عاداتهم، ومنافعهم، فإن أهل البادية يعدون جارا كل من أمكن أخذ منافعهم الحاضرة منهم، كاقتباس النار، وأخذ الملح للقدر التي على النار، وأشباه ذلك وأما أهل القرى فلا يعدون ذلك جارا، لأن مساكنهم متقاربة متصلة، فجاة عرفهم بالجوار بأقرب البيوت إلى بعضها بعض. ثم اختلف هذا العرف في تحديد هذا المقدار من عد البيوت، فكل قال بما وقع له من العرف،