الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٤—
المعتزلة والمجبرة، أما المعتزله فظنت أن الجهتين جهة واحدة، وزعمت أن العبد خالق لفعله الاختيارى فجعلوا الله شريكا في الخلق) إذا لدهَبَ كل إله بِمَا خَلَقَ (1) (وشابهت المجوس في ذلك في جعلهم للخير خالقا وللشر خالقا ومن هاهنا قيل لهم مجوس هذه الأمة
ما خلقت أفعالها المعتزله ولا اقْتَضَتْ من القضايا خردله وأما المجبرة فإنهم نفوا الاكتساب رأسًا مع إثباته في قوله تعالى:) لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (2) (وأضافوا أفعال العبد من خير أو شر إلى خالقها وجعلوا العبد مجبورا على فعل ما صدر منه فلزمهم بذلك تعذيب المجبور على الفعل في زعمهم والله سبحانه وتعالى من لطفه ورحمته قد شرع لنا التقية فى حق خلقه إذا أكرهنا على الكفر قلناه باللسان ولم يعذبنا الله على ذلك أفيصدر منه الجبر لنا ويعذبنا عليه حاشاه من ذلك، ولو صح ما ذهب إليه هؤلاء لبطلت الحكمة في بعثة الرسل وإنزال الكُتُب ولا يكون للترغيب والترهيب ولا للأمر والنهي معنى ولكان للعبد على ربه حجة أن يقول ما فعلته عن اختيارى لكن جبرتني على فعله فلم تعذبني؟ والله قد أرسل الرسل وأنزل الكتب لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فعلمنا بطلان ما زعموه من الجبر ومذهب أهل الاستقامة وسط بين الإفراط والتفريط: لم ينفوا الفعل عن العبد رأسا بل أثبتوا له الاكتساب وبه يثاب ويعاقب كما دل عليه القرآن ولم يضيفوا خلق الفعل إليه لأن الله تعالى هو الخالق لكل شيء فالحمد لله الذى ألهم أمتنا الصواب ووفقنا وإياهم على الهدى فبهداهم اقتده والله أعلم.
(1) سورة المؤمنون، آية 91. (2) سورة البقرة، آية 286.