الحقيقة والمجاز في تاريخ الاباضية لسالم السيابي
الجزء ١ · صفحة ١٠١يخبر هنا أن الخطباء من منابر حضرموت نادوا بإسم الإمام الخليل ابن شاذان، وأعلنوا عن تأييد الإمام أبو إسحاق، وأنهم مبتهجون بما لاقو. قال رحمه الله: إنه قضى على الخونة من بادية حضرموت الذين كانوا عاهدوه فخانوا العهد، وعندما رأوا السيوف حمراء تسيل الدماء على حدودها خضعوا للحق وأذعنوا للإمام أبي إسحاق، فكان الأمر على خلاف ما يأملون.
قال رحمه الله متحدثاً عن الأحوال هناك:
سوى نفر كانوا عصاة فأصبحوا:: من الخوف في رءوس القرى كالحمائم
يعني أن قلة من رجال العدو كانوا باقين على عصيانهم ففروا من وطئة الحق هاربين. قال:
ولم يبق لي إلا الصليحي قائما:: وها هو أيضاً عزه غير قائم
وفي رواية سعده غير قائم، والمعنى لم يبق من ينازعني الأمر إلا الصليحي، ولكن سعده لا يسعده وعزه لا يعزه وسلطانه لا يساعده، فإن الحق إذا قام انزهق الباطل أمامه وقاده إلى الذل، والمراد بالصليحي أحد حكام اليمن في القرن الخامس الهجري، وقد سبقت الإشارة إليه في الفصل الخاص باليمن، ومؤسس دولة الصليحيين هو أبو الحسن علي بن محمد ابن علي الصليحي الحاشدي الهمداني، كان له أب معروف في اليمن سني المذهب، وكان قاضياً مطاعاً في أهله وعشيرته.
وكان الداعي عامر بن عبدالملك الدواحي يلاطفه ويركب إليه لرئاسته وعلمه واستقامته، وقد أعجب بذكاء ابنه وهو دون البلوغ فقربه منه وأوصى له بكتبه بعد وفاته، عكف أبو الحسن علي بن أحمد الصليحي على الدرس حتى تضلع من المعارف وأصبح فقيهاً في مذهب الإمامية، وله نظر في علم التأويل، وصار يحج بالناس دليلاً على طريق السراة بالطائف خمس عشرة سنة، وكان الناس يقولون سيملك اليمن بأسره ويكون له شأن فيكره ذلك وينكره.