الحقيقة والمجاز في تاريخ الاباضية لسالم السيابي
الجزء ١ · صفحة ١٠٢وفي سنة 429 هـ ثار أبو الحسن هذا في رأس مشار هو أعلى ذروة في جبال اليمن، وكان معه ستون رجلا قد حالفهم على الموت بمكة في موسم 428 هـ، وكان هؤلاء في عز ومنعة وعدد من قومهم وعشائرهم، ولما أعلن الثورة في ذلك الجبل المنيع أحاط به فيما يقال عشرون ألف ضارب بالسيف، وحصروه وسفهوا رأيه وقالوا له: إما أن تنزل وإلا قتلناك جوعا، فأقنعهم بأنه لم يكن في ثورته إلا مدافعاً عن حقوقهم وخائفاً أن يملكهم غيرهم، فأنصرفوا عنه.
وأنت تدري أن هذا الرجل كان أبوه سنياً ثم صار هو إمامياً، وأنه كان يتعاطى أشياء لا يقدر على إنجازها، وكان مغتراً بنفسه مخدوعاً في عقله، ولكن لم يبين المصدر الذي أخذ عنه من هؤلاء الذين حالفوه على الموت، ومن الذين أحاطوا به. قال ولم يمض عليه شهر حتى حصن هذا الجبل واستفحل أمره تدريجياً، وكان يدعو للمستنصر الخليفي الفاطمي في مصر سراً، ويعمل الحيل في نفس الوقت لقتل المؤيد نجاح صاحب السلطة في تهامة، وقد استكان له أول أمره، ثم دس إليه السم مع جارية جميلة أهداها إليه فقتله سنة 452 هـ.
وفي سنة 453 هـ كتب الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار الدعوة، فأذن له فطاف أرجاء اليمن يفتح الحصون والتهائم، ولم تخرج سنة 455 هـ حتى كان ملكه عم اليمن بأسرها. وفي هذا العام استقر أمره في صنعاء وأخذ إليه أمراء اليمن الذين أزال ملكهم وأسكنهم معه، ولعل ذلك لقصد القهر عليهم وهو ظاهر.