الحقيقة والمجاز في تاريخ الاباضية لسالم السيابي
الجزء ١ · صفحة ٢٢قال ويقولن - أي الأباضية - إن القرآن هو كلام الله تعالى وهو كقول المأمون العباسي خلقه الله تعالى، قلت الأباضية يقولون إن الله خالق كل شيء والقرآن شيء من الأشياء، وقال تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) والقرآن كما قلنا شيء من الأشياء، وهو كلام الله خلقه وقدره بحسب الحوادث التي ستكون من العباد كما اقتضاها قضاؤه وقدره، فإن دلائل الحدوث في نفسه ظاهرة، وهي شاهدة بخلقه، ولو كان غير مخلوق لكان قديماً، ولو كان قديماً لكان مشاركاً لله في صفة القدم، ولو شاركه في صفة القدم لتعددت القدماء، ولو تعددت القدماء انتفى قدمه الخاص به الذي اتصف به، فإنه صار له فيه شركاء وهذا ظاهر الفساد ساقط الإعتبار، ولو كان متكلماً كخلقه لزم له ما يلزم لخلقه من اللسان التي هي آلة الكلام، ولزم له أشداق وفم يخرج منه الكلام، وهذا باطل عقلا.
ثم وصفه الله بأنه حادث في قوله عز وجل: (مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) ووصفه بأنه منزل من اللوح، وكان حالا فيه والتنزيل صفة الحدوث، وكونه حالا في اللوح، فاللوح حادث ولا يحل في الحادث إلا حادث عقلا وبديهة وهذه الصفات كلها تعطي منتهى الحدوث.
ووصفه بأنه آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وصدورهم حادثة، والحال في الحادث حادث قطعاً، لأن القديم منزه عن الحوادث، فالله عز وجل لا يطرقه معنى الحدوث ولا يليق به تعالى وإلا لم تصح الصفات الكمالية له تعالى، وكلام الله ليس على وتيرة كلام الخلق، وإن كان الكلام المعروف هو ما على المنهج المألوف تتألف كلماته من الحروف، فإن الله جل جلاله خالق الحروف والأصوات والآلات التي بها تكون، والله منزه عن هذا كله قطعاً.
ولنا قصيدة نونية في خلق القرآن جامعة لجميع صفات القرآن وحاوية لجميع صفاته ومعربة عن قواعد مبانيه كفيلة بكل ما يلزم فيه من أراد الإطلاع عليها فمن الممكن.