الحقيقة والمجاز في تاريخ الاباضية لسالم السيابي
الجزء ١ · صفحة ٢٣قال المصدر اليماني الذي نتحدث عنه وأنه تعالى لا يرى بالأبصار في الجنة، أي قول الأباضية ذلك، قلت نعم إن الله لا يرى في الجنة ولا في غيرها، ولا يصح أن يرى ولو صح أن يرى لكان غير إله، فإنه إذا كان يرى كان مظروفا محاطاً متبعضاً متلوناً متميزاً في جهة من الجهات، وهل يرى لكل أهل الجنة أم لبعضهم؟ فإذا كان يرى فهل في كل وقت أم في أوقات مخصوصة، ويكون في غيرها محجوباً فالكل لا يليق به تعالى، فإنه إن كان يرى فقد شبه المخلوقات والله يتعالى عن ذلك، وما أظن هذي إلا من دسائس اليهود أعداء الله الذين قالوا لنبيهم موسى عليه السلام: أرنا الله جهرة، فزجرتهم الزواجر فلم ينزجروا، وأرسلت الآيات فلم يتفكروا، وابتلاهم الله تعالى بعدة أشياء فلم يمتثلوا، وتأولوا القرآن ليضلوا به أهل العقول وحرفوه، ووضعوا لإضلال الأمة أوضاعاً دسوها على ضعفاء المسلمين.
قال المصدر اليماني حاكياً عن الأباضية: قالوا وإن الثواب والعقاب أبديان. قلت: نعم إن ثواب الله لعباده المؤمنين الجنة، وإن عقاب الله لأعدائه النار، وإن الجنة والنار لا يفنيان، ومن اعتقد فناءهما كفر شركاً، لأن الله قال في الجنة: (خالدين فيها). وكذلك قال في النار والعياذ بالله منها في مئات الآيات، وصرح جل وعز بذلك. فالثواب والعقاب أبديان، وكذلك ثبت في السنة النبوية، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، جيء بالموت فيذبح بين الجنة والنار، وينادي مناد يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ". وعلى هذا عقيدة الأباضية متابعة القرآن وسنة المصطفى من آل عدنان
صلى الله عليه وآله وسلم، ومن خالف هذه العقيدة متأولا فهو فاسق ضال منافق كافر نعمة، ومن خالفها بغير تأويل فهو كافر شركا، قال ويقولون إن الله يغفر الصغائر ولكنه لا يغفر الكبائر إلا بالتوبة، قلت نعم العقيدة التي يسندها القرآن ويدل عليها البرهان.