الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية باليمن والحجاز سالم بن حمود بن شامس السيابي

الحقيقة والمجاز في تاريخ الاباضية لسالم السيابي

الجزء ١ · صفحة ٥٤

قال: فأنطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين فلم يأتوا يومئذ امرأة ولا رجلا إلا وجدوه مسرعاً فيما سألوه، والمعنى أنهم يبذلون له المال عن رغبة ناشطة من غير تبرم أو تضجر، قال وكان رجل من المسلمين لم يكن يرى أنه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم، قال ونتيجة هذا التنظيم وتتويجاً لنشاط حملة العلم المتحمسين في الأمصار، فقد شهدت الدعوة الأباضية في النصف الأول من القرن الثاني الهجري بعض الإنتصارات، وأسست إمامات خاصة بها، والمعنى أن الأباضية أقاموا في هذا التاريخ إمامات لا إمامة واحدة خاصة بها في جنوب الجزيرة العربية وشمال أفريقيا.

وقال: ويبدو أن أئمة الأباضية قد استغلوا الظروف التي تمر بها الدولة الإسلامية إبان حكم مروان الثاني آخر خلفاء بني أمية، وأوعزوا إلى أتباعهم في تلك الفترة في الأمصار لإعلان الثورة ضد الحكم القائم، فقد مرت الدولة الأموية في تلك الفترة بمرحلة عصيبة وشغلت بقمع ثورات مختلفة في أنحاء متعددة من الدولة ومن ضمنها بلاد الشام التي كانت قبل ذلك تكوّن العمود الفقري للسلطة الأموية. قلت: إذا انحرفت الأمة عن نهج الحق واستمرت على انحرافها حرك الله عليها من يثير من بيئتها هواجس تقلقل وعي المسؤول وتبلبل أفكاره، فإما أن يتراجع ويستقيم وإما أن يستمر على هواه فتنهار صروحه ويتزعزع عرشه فتقضي عليه الحوادث، وهذا أمر معروف مستفيض من الأمة شبه مجرب عبَّر عنه التاريخ في جميع الأجيال كيف كانت، بل هو مشاهد يعرفه الإنسان فيما بينه وخاصته، ثم يقوم له شيوع محسوس حتى يسري إلى حد بعيد ويشير إلى ذلك قوله عز وجل: (لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، والله أكرم من أن يسلط على أهل الحق أعداءه إلا ريثما يتمحص الحق ويتحقق الأمر.

٥٤ / ١١١