الحقيقة والمجاز في تاريخ الاباضية لسالم السيابي
الجزء ١ · صفحة ٦٩الإمام طالب الحق يبتعد من حصائد المجرمين
قبض الإمام طالب الحق بصنعاء وتولى أمرها، فوجد في خزائن صنعاء الدولية أموالا طائلة تحرج أخذها وإنفاقها على رجال دولته، بل رأى الإبتعاد منها أولى لأنها جبيت على غير النهج المشروع والجباة ظلمة غير موثوق بجبايتهم، ولم يمكن الإمام المرضي طالب الحق جنده من شيء منها ورأى إنفاقها في فقراء أهل صنعاء، لأن مجهول الأرباب سبيله فقراء المسلمين، ولذلك فرقها ولم يأخذ شيئا منها، ولو أخذها لكان له في أخذها وجه صحيح، لأن حكم ما في يد المسلم الحل حتى يصح تحريمه ولولا ذلك لم تحل شربة ماء من أحد لإحتمال أن تكون من حرام، ولم تحل ضيافة أحد للإحتمال المذكور، ولكن رحمه الله احتاط لدينه ولإخوانه بإتقاء الشبهات والإحتياط للدين مطلوب.
قال محرر القضية ووزع ما استولى عليه من خزائن وأموال بين الناس في صنعاء وخاصة الفقراء منهم. قال وبقي في صنعاء عدة أشهر يسوس الناس بالعدل ويدعو إلى آرائه ومبادئه بالمعروف والموعظة الحسنة، حتى كثر جمعه وأتاه الناس من كل وجه. قلت غير مرة إن أئمة الأباضية لا يقومون إلا لنشر العدل وإعادة العمرَّية في المسلمين، فكيف لا يكون العدل أنشودتهم والأمر بالمعروف دعوتهم، وإصلاح شأن الأمة بغيتهم، وهم ما قاموا إلا لما فقدوا ذلك في الأمة، ولا تجردوا لركوب الأخطار إلا لمراضي الجبار، والحق هو دين المسلم، والعمل بالحق هو عمل المسلم، وإلا لم يكن مسلما
قطعاً، ألا تسمع الله يقول في كتابه العزيز: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى) فهذه الأوامر كلها من العدل، وهي من الحق، ولا شك أنها من الإحسان، والإحسان مما فرض على الإنسان كما نهى عز وجل عن الفحشاء والمنكر والبغي، فالفحشاء من المنكر، والمنكر من البغي، والبغي كذلك، ولا محيص من ذلك والله المستعان.
الإمام طالب الحق يوجه قائده أبا حمزة لفتح الحجاز