الحقيقة والمجاز في تاريخ الاباضية لسالم السيابي
الجزء ١ · صفحة ٧٢قال وامتثل عبدالعزيز بن عمر لأمر الخليفة وجهز جيشاً قوامه ثمانية آلاف رجل جلهم من قريش والأنصار وبعض التجار الذين لا علم لهم ولا دراية لهم بالحرب وفنونها، قلت هذا الكلام أراد أن يمهد به طريقاً لما كان من القائد عبدالعزيز لما وقع عليه من الهزيمة، والحقيقة أن الحرب سجال، ومن كتب أجله في ثمان لا يبقى إلى العشر، ومن جعل أجله في عشر لا يموت في ثمان وهكذا مثلا.
ولا يخفى أن شجعاناً في البشر يعدون عن المئات بل عن الآلاف ولا يزالون كلما دخلوا معركة خرجوا منها ظافرين كأنهم لم يدخلوا الحرب، فإذا حان حينهم قضى عليهم القدر على يد أضعف المخلوقات، قال وجعل قيادة هذا الجيش إلى عبدالعزيز بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان، قال وبذلك لم يكن موفقاً في اختيار عناصر الجند ولا في اختيار القائد الذي ينتمي إلى عثمان بن عفان، والذي يعتبره الأباضية ظالماً مخالفاً تجب البراءة منه، قلت هذا الكلام يشف عن دسائس نفسية، فإن الذي قتل عثمان هم الذين اعتبروه خائناً ظالماً ومخالفا تجب البراءة منه، ومن هم هؤلاء؟ هم أكابر الصحابة وأعيانهم، فإنه قتل بعد حصار دام أكثر من شهر علم به الخاص والعام وأعيان المسلمين كلهم في المدينة وفيهم علي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين والمهاجرون والأنصار أكثر من مائة ألف سيف في إمكانها ترد عنه جيش الروم وجيش كسرى، وما كان واحد من الأباضية معهم ولا صدرت كلمة واحدة من الأباضية في قتل عثمان، إذ لم تكن الأباضية في أيام عثمان موجودة، فإن كان الذين في المدينة يرون عثمان غير مستحق للقتل فقد قصروا حيث لم يدفعوا العادي عنه، وهم المسئولون أمام الله عن قتله حيث جعلوه إمامهم وبايعوه، ولما أحاط بهم العدو لم يقوموا معه. وإن كانوا يرونه مستحقاً للقتل فقد صار معهم ظالماً جارماً مخالفاً تجب البراءة منه، فلذلك أسلموه للقتل.