الحقيقة والمجاز في تاريخ الاباضية لسالم السيابي
الجزء ١ · صفحة ٩١ولما تمكن الليل وهبط الظلام، أرسل عبدالملك من رجاله من يقتحم حصون الأباضية لأخذ الذخيرة التي فيها مما يجمعه الأباضية واستعدوه، فأحتلوا حصون شبام وقبضوا على ما فيها، ولعل ذلك لخيانة بعض من يماكر الأباضية وباطنه عليهم، وسيطروا على الحصون وعلى الذخيرة، ومنعوا من في الحصون من الخروج، وما زال الموقف حرجاً جداً، ولكنه لم يثن من عزائم الأباضية، فإنهم قاتلوا قتالاً شديداً وصبروا صبراً مريراً، نظراً لعقيدتهم الصحيحة، إن من وراء الموت الجنة التي هي المقصودة بالذات، وإن ما يلاقون من مصائب فهين وقد حملوا عقيدة الفرار من الحرب حرام يدخل صاحبه النار، لقوله عز وجل: (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ).
بهذه العقيدة تخرج أرواح الأباضية في الحرب من أجسادها فلا يقاتلون لدنيا يصيبونها أو امرأة يتزوجونها أو رئاسة يريدونها، وفي هذه الحرب الضارية لم يستطع عبدالملك إحراز نصر حاسم عليهم، ثم تراجعت قوتهم والتأم جرحهم واشتدت شكيمتهم، واضطر عبدالملك أن يصالحهم حين
وأي الأباضية تجمع قواها من جديد ويتراجع إليهم بأسهم وترتفع أصواتهم بمواجهة عبدالملك في ميدان القتال واضطروه للإلتجاء إلى أحد المواقع الحصينة، إذا رأى شررهم يتقد جمراً حيث حاصروه أربعة عشر يوماً، دعاه ذلك الحصار إلى أن يتنازل لعقد صلح معهم خصوصاً أباضية حضرموت تعهد لهم فيه أن لا يتولى عليهم إلا رجلا منهم، ومعنى هذا خضوعه لهم ورد أمرهم إليهم ورد عليهم ما انتهب من متاعهم الذي استولى عليه في حصن شبام، ورأى منهم ما لم يكن له في الحسبان، وهب للتملص من سطوتهم فتكون الكرة عليه، وعند ذلك تجهز للخروج إلى مكة ليترأس موسم الحج في ظاهر الحال.
الأباضية يقتلون ابن عطية