الرواية التاريخية في الميزان العدوي
الجزء ١ · صفحة ١٢وجدنا الناس يخلطون بين الرواية التأريخية والرواية الحديثية، وهذا هو السبيل الذي يحاول الآن من يدّعون العلمية أن يسلكوه، فيقولون: (إننا نرفض ما ليس له سند صحيح في التأريخ، ونسلم بما له سند صحيح) ويضعون السند تحت المحك الحديثي، وبالتالي يحاولون حذف ما هو موجود في كتب التأريخ المعتبرة، ويقتصرون على الروايات السندية حسب معيار التحديث، والخطورة في ذلك، نحن نعرف أن بعض من انتسبوا لأهل الحديث ومن تأثر بمنهجهم في هذا الجانب كانوا في كنف الدولة الأموية وحفظ الدولة العباسية، ولفقوا الأخبار بأسانيدها -كما سنرى لاحقاً عندما يبين ذلك ابن خلدون- واخترعوا الروايات المسندة التي تبرر مواقف بني أمية وبني العباس، فهم لم يكونوا في غفلة عن هذا الأمر؛ أي تبرير أفعال الملوك الجبابرة، فهم أولاً وقبل كل شئ يجدون النفع منهم ويدرؤون الضر عنهم، ثم يجدون عندهم الانتصار لمذاهبهم وآرائهم، لأنها نشأت في كنف تلك الدولتين، ولذلك أوجدوا لنصرتهم والدعاية لهم الأسانيد الملفقة التي في ظاهرها الصحة، وغفلوا عن حقيقة أن هذه الروايات تتعارض مع حياة وسيرة الملوك الجبابرة، فحاولوا أن يوجدوا تلميعاً لوجوههم المكفهرة.
يقول شوقي جلال: (التأريخ الإسلامي؛ من حيث المنهج لا يزال تأريخ رواية وإسناد، وهو من حيث الواقعة تأريخ سلطات وفرق، أو من واتاهم حظ التسلط دون بقية أطراف الصراع، وإن كان في جميع الأحوال بحاجة إلى تحقيق وكشف التعارضات)
وحتى تتضح المقارنة بين الروايتين؛ وبما أننا قد عرّفنا الرواية التأريخية؛ نعرف الآن الرواية الحديثية:
أولاً: تعريف الحديث: هو ما أضيف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خِلقية أو خُلقية.
فعندما نرجع إلى الحديث من خلال التعريف السابق، نجد أن له مهمته ورسالته التي تختلف تماماً عن مهمة ورسالة التأريخ.