الرواية التاريخية في الميزان خميس بن راشد بن سعيد العدوي

الرواية التاريخية في الميزان العدوي

الجزء ١ · صفحة ١٥

وأضرب على ذلك مثالاً عن ابن بطوطة، أنتم تعرفون أنه زار عمان في عهد النباهنة، وكانت دولة بني نبهان دولة جائرة ظالمة، تنتهك فيها المحرمات، وكان الفساد والسفاهة منتشرين بسبب ترويج بني نبهان لهما، فعندما جاء ابن بطوطة إلى عمان، ووجد ما وجد من فعائل ملوك بني نبهان، طبق هذا الأمر على أهل الحق والاستقامة، وأخذ يتحدث عن الأشياء التي رآها في عمان في ذلك الوقت وكأنها صادرة من الخوارج -حسب قوله- أي أهل الحق والاستقامة، فقال: (ويأكل على مائدته –يقصد الحاكم- لحم الحمار الإنسيّ –أي الحمار الأهلي- ويباع بالسوق لأنهم –يقصد الإباضية- قائلون بتحليله ولكن يخفون ذلك عن الوارد عليهم ولا يظهرونه بمحضره) وقال: (ونساؤهم يكثرن الفساد ولا غيرة عندهم ولا إنكار) وقال ما قاله من البهتان، ونسبه إلى الإباضية أهل الحق والاستقامة، وهذا كما قلت: غباء وبلاهة، لأنه لا بد له أن يرجع هذه الوقائع التي رآها إلى الجو الذي وجدت فيه -إن كانت قد وجدت أصلاً- أي إلى الدولة التي حدثت فيها، فلو عرف طبيعة ملوك بني نبهان من الغشم والجور، بحيث إنهم أحرقوا المكتبات العلمية كمكتبة ابن النضر رضي الله عنه الذي أردوه قتيلاً من برج شاهق ، وكانوا يأكلون مهور النساء، ويغتصبونهن بغير وجه حق، لو طبق ابن بطوطة تحليل الواقع، وعرف أن أهل الحق والاستقامة في ذلك الوقت كانوا مفارقين لهذه الأعمال، ويسعون سعياً حثيثاً للتخلص من هذا الحكم الجائر الفاسد، ولو نظر إلى سلامة عقائدهم وسالف مجدهم، لتبين له أن هذا الأمر لا ينطبق عليهم، وإنما ينطبق على الملوك الجورة في أي عصر ومصر؛ تماماً كملوك بني أمية وملوك بني العباس، فلكون ابن بطوطة غاب عنه هذا الأصل ألصق الوقائع بمن لا يمكن أن تصدر عنهم، هذا طبعاً لو فرضنا سلامته من الكذب والحسد المذهبي، هذا من ناحية.

١٥ / ٣١