الرواية التاريخية في الميزان العدوي
الجزء ١ · صفحة ١٨فمثلاً عندما يأتينا راوٍ ويقول: (إن هارون المسمى بالرشيد -وما هو برشيد- يحج عاماً ويغزو عاماً، وأنه يقوم الليل بعشرات الركعات..). هذا شئٌ يأباه الواقع..
كانت الدولة في ذلك الوقت ممتدة إلى أقاصي الأرض؛ بحيث لا يسعف المجال أن يرجع عاماً ليحج ثم يذهب في العام التالي ليغزو.
هذه مقولة لا تصح، ومع فرض صحتها، ما هي هذه الغزوات التي كان يغزوها؟! نسوق منها نموذجاً؛ الحملة الغاشمة التي جردها هذا الخليفة إلى عُمان بقيادة واليه عيسى بن جعفر ليلقى حتفه على أيدي المجاهدين من أهل الحق والاستقامة جزاءً وفاقاً لفعله، إذاً؛ "جهاده!!" ليجتث الدين من الأمة، وليقتلع الإمامة العادلة من الأرض.
ويذهب الدكتور حسين مؤنس في تحليل هذه المقولة، أنها صدرت تغطية على الاضطراب والتنازع على السلطة الذي وجد في عهد الدولة العباسية؛ ومنها عهد هارون الذي شهد سيطرة فارسية على الحكم؛ حيث أصبح خائفاً من المكث في عاصمته، فيقول الدكتور مؤنس: (عندنا في عصر الرشيد والمأمون لا يحكم العرب ولا يتمتعون بالمكانة الأولى، وكل الذين يتصرفون في أمورنا لا يتبعون سياسة عربية أو إسلامية، وهارون الرشيد عاش معظم عمره خارج بغداد، لأنه كان يخاف من مؤامرات الفرس في بغداد، لهذا نقول: إنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، لأنه لم يعش في بغداد إلا وقتاً قصيراً جداً)
هذا من جهة؛ ومن جهة ثانية قضية قيام الليل.. إن كان يصلي كل ليلة العشرات من الركعات؛ فمتى سيتفرغ للجواري والقيان من ليلته!! وهذا أمر تواترت به الروايات التأريخية. ولعمر الحق كيف يجتمع قيام ليل؛ مع الجواري والخمر!!.
ويكفي أن هذا الجبار الطاغية جاء إلى الحكم بطريق استبدادي، وهو كفيل بأن يمسح عنه بعد ذلك أي صبغة دينية أو طريقة شرعية.
فإذاً؛ لا يمكن أن تتفق هذه المقولة مع الواقع، ولذلك فهي مرفوضة قطعاً.
هذان الضابطان هما اللذان يحكمان الرواية التأريخية.
أصالة المنهج التأريخي: