الرواية التاريخية في الميزان العدوي
الجزء ١ · صفحة ٢٠فإذاً؛ أخذ الرواية التأريخية من غير المسلمين مبدئياً يقبله المنهج الإسلامي. ومن الجيد أن نسوق هنا كلام ابن خلدون حيث وضع النقاط على الحروف في مسألة المقارنة والتحليل؛ حتى تتضح لنا أصالة هذا المنهج: (اعلم أنه لما كان حقيقة التأريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني؛ الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل: التوحش والتأنس والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال، ولما كان الكذب متطرقاً للخبر بطبيعته، وله أسباب تقتضيه، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول خبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله)
هنا ابن خلدون يبين لنا أن التشيع للآراء والانتصار لها؛ كثيراً ما يؤدي إلى قبول الروايات بدون تمحيصها، حتى يصرح بذلك فيقول: (وأمثال ذلك كثير –أي أمثال تلك الأخبار- وتمحيصه إنما هو بمعرفة طبائع العمران -أي التحليل التأريخي- وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار، وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة)