الرواية التاريخية في الميزان العدوي
الجزء ١ · صفحة ٢٤قد قلنا سابقاً: إن الرواية التأريخية تقبل مبدئياً من أي شخص، إلا أنه هناك ما يرجح رواية على أخرى، فلا يمكن أن تكون كل الروايات مقبولة في الموضوع الواحد وخاصة إذا تعارضت، فهناك مرجحات علمية توازن بينها، ولا أستطيع هنا أن أقول: إن المرجحات التي سأسوقها كلها بمنزلة واحدة، وأيضاً لا يمكن ترتيبها إلا حسب الواقعة التأريخية التي نكون بصدد بحثها ومناقشتها وتمحيصها، وقد نأخذ بهذا المرجح أو ذاك حسب الواقعة، والمتعمقون والمتخصصون في علم التأريخ يعرفون هذه المرجحات، ويعرفون كيفية استعمالها.
نذكر من هذه المرجحات:-
1- السند الصحيح: إن كانت هناك روايتان مختلفتان -أو أكثر- لأمر واحد، والعقل يقبلها ومطابقة للواقع، لكن لا يمكن الجمع بينها كالاختلاف في الأعداد وفي تقديرات الجيوش؛ ونحو ذلك، ووجدنا إحدى الروايات لها سند صحيح والأخرى ليس لها سند صحيح، فبالتأكيد رواية السند الصحيح تقدم على الرواية التي ليس لها سند صحيح.
2- تواتر الخبر: إن كانت هناك أخبار تواتر المؤرخون على نقلها ووقوعها؛ ولكن وجدت رواية أخرى تخالف هذا التواتر، لا يؤخذ بهذه الرواية ولو كان لها سند صحيح، فمثلاً ما نجده من تواتر الأخبار في الجبر والطغيان الذي وقع من بني أمية وبني العباس، ثم يأتي أحد برواية ويقول: إن لها سنداً صحيحاً.. ليدحض هذا التواتر، فهذا غير مقبول في الرواية التأريخية، وهو مردود على صاحبه.
مثال آخر: عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق _رضوان الله عليهما_ هما من التواتر بمكان بعدالتهما وتقواهما وورعهما وما قدموه من خدمة لنصرة الإسلام والمسلمين، ثم نجد أسانيد عند بعض الفرق تطعن في هذين الشيخين وتنتقص من قدرهما، فلا يمكن ترك هذا التواتر لأجل المرويات الموجودة عندهم بسبب الآراء المذهبية.