الرواية التاريخية في الميزان العدوي
الجزء ١ · صفحة ٢٥3- رواية المسلم مقدمة على رواية الكافر: عندما تكون هناك واقعة تأريخية، يرويها مسلم بما تخالف رواية الكافر، إلا أن الروايتين يقبلهما العقل والواقع، فإحسان الظن بالمسلم يجعلنا -بكل تأكيد- نقدم روايته على رواية الكافر.
وهذا لا يتناقض مع قضية قبول الرواية من الكافر أساساً، لأن الكافر ينقل أحوال بني جلدته، فاعتراف الكفار بالمجازر التي أوقعها الأسبان في أمريكا، أو اعترافهم بالمجازر التي أوقعها البرتغال في عُمان والشرق الإسلامي، لا بد أن يقبل.
أما عندما تكون هناك رواية إسلامية مقابل رواية غير إسلامية مختلفتان؛ مع الأخذ بالاعتبار قبول العقل لهما ومطابقتهما للواقع، تقدم الرواية الإسلامية على الرواية غير الإسلامية.
4- الشهادة للمخالف: فشهادة الراوي في صالح مخالفه تعتبر من مرجحات الرواية، كشهادة المؤرخين غير الإباضية –مثلاً- للإباضية بتقواهم وعبادتهم وحسن سلوكهم وتسامحهم وعدالتهم، والتزامهم بالمنهج الإسلامي في السلم والحرب وفي خروجهم على الظلمة والجبابرة كسيرة طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي وأبي حمزة الشاري في تخليص اليمن والحجاز من أيدي الأمويين. ومثال آخر: كتاب "أخبار الأئمة الرستميين" لابن الصغير المالكي الذي شهد فيه بالحق لهم.
5- مشاهدة الحدث والواقعة: فالذي يحضرهما تقدم روايته على الذي ينقلهما عن غيره، ومثلها المعاصرة للأحداث مقدمة على الرواية المتأخرة، وكلما كانت الرواية أقدم كان لها السبق.
ولكن أرجع وأؤكد أن هذه المرجحات ليست بمنزلة واحدة، ولا بد من أن نعملها في ضوء العمق التأريخي والتحليل والمقارنة للروايات وقبول العقل لها ومطابقتها للواقع.
أسباب الكذب والوضع في الرواية التأريخية:
ساق لنا ابن خلدون عدة أسباب لمقتضيات الكذب والوضع في الرواية التأريخية نذكر منها:-
1- الثقة بالناقلين ؛ وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح.