الرواية التاريخية في الميزان خميس بن راشد بن سعيد العدوي

الرواية التاريخية في الميزان العدوي

الجزء ١ · صفحة ٢٨

نذكر على سبيل المثال الشيخ نور الدين السالمي؛ مَن في زمانه أكثر منه ثقة وورعاً وتقوى؟ وقد ضحى بنفسه لأجل دينه، ولكن عندما نرجع إلى "تحفة الأعيان" نجد تلك القصيدة التي تروي قصة الفتاة التي فقدت في نزوى وزُعِم بأنها مسحورة وأنها ظهرت بعد العديد من السنوات، هذه القصة وقصيدتها باطلة لا تصح أبداً لأنها تتنافى مع الدين والعقل، لكن هذا لا يقدح في الشيخ السالمي، فقد نقلها لأنها كانت موجودة في ذلك الوقت ومتداولة، ولم يعمل على تمحيصها، وإنما علينا أن ننظر إلى منهج الشيخ السالمي، فكما أن هناك منهجاً عاماً للرواية التأريخية؛ فكذلك لكل مؤرخ منهجه الخاص به الذي يجب أن ننظر فيه، فالشيخ السالمي رحمه الله تعالى نجده تارة يحلل ويقارن، وتارة ينقل الخبر مجرداً، وأخرى يعتذر عن عدم التحليل أو المقارنة أو إبداء الرأي في الرواية، فإذن لا بد أن ننظر في المنهج التأريخي الخاص بالشيخ السالمي مؤرخاً.

فالمؤرخ قد يجمع المادة التأريخية عن حقبة زمنية معينة بدون أن يبدي رأيه فيها بالتحليل أو المقارنة، ولكن أن يكون هدفه جمع المادة فقط وحفظها وليس إلزام تلك الحقبة بها، فافهم ذلك فإنه دقيق يخفى على المتطفلين على التأريخ.

إعادة كتابة التأريخ:

هذه القضية مجالها واسع وعريض، ولكن أجمل القول فيها، فأقول: ظهرت أصوات تنادي بقضية "إعادة كتابة التأريخ" لتصفيته مما علق فيه من دخيل وكذب وتخليط، ورد الروايات إلى المنهج التأريخي السليم، فجاءت نخبة متأخرة من المفكرين والمؤرخين والعلماء حاولوا أن ينقحوا الروايات ويعملوا فيها منهجاً معيناً، يعيدون به كتابة التأريخ، وفعلاً تشكلت في بعض الأحيان لجان لذلك، كما ذكر سيد قطب في كتابه "منهج التأريخ" وأشار إلى وجود لجنة وكان هو أحد أشخاصها، لكن نقول: إن هذه الدعوة علينا أن نأخذها بحذر…

٢٨ / ٣١