الرواية التاريخية في الميزان خميس بن راشد بن سعيد العدوي

الرواية التاريخية في الميزان العدوي

الجزء ١ · صفحة ٢٩

نعم نحن محتاجون إلى إعادة النظر في روايات كثيرة ونستطلع الأمر فيها ونمحصها، لكن ترك الأمر للجنة معينة من الخطورة بمكان، وسنقع فيما فررنا منه وعبناه على من سبقنا، لأن أعضاء هذه اللجان سيكونون مدفوعين في إعادة الكتابة بخلفيتهم التأريخية والثقافية والدينية والمذهبية والرسمية.

ولذلك فأنا لست مع إعادة كتابة التأريخ عن طريق اللجان المعينة، وإنما مع القراءة المتأنية والدراسة الحديثة وفق المنهج العلمي السليم للتأريخ، فاستخدامه كفيل بالعودة إلى الحقائق التأريخية أو الاقتراب منها، سواء من الفرد أو الجماعة، والاستمداد من التأريخ بوقائعه ورؤاه ونظرته وفلسفته ومنهجه لا يكون إلا بحرية القلم ونزاهته، ولا يكون أبداً بالوصاية عليه.

كيف نقرأ التأريخ:

من السهل جداً أن نجيب على هذا السؤال، حيث سنتفق جميعاً بأن قارئ التأريخ يجب أن يلتزم بالموضوعية، وعند التحرير في أي قضية تأريخية والكتابة فيها لا بد للمؤرخ أن يلتزم الحياد، ويكون مبعث بحثه هو طلب الحقيقة والكشف عنها؛ وإن خالفت المسلّمات التي كان يعتنقها.

هذا أمر بيّن والكل يدعيه.

ولكن عندما نرجع إلى الكثيرين ممن كتبوا في التأريخ الإسلامي –قديماً أو حديثاً- لا نجد هذه الموضوعية عندهم، وربما نص المؤرخ في بداية كتابته بأنه سوف يلتزم بها وإذا به يخالفها مخالفة صريحة( )، ولا يكون أمامه إلا الانتصار لمبدئه وفكرته التي دخل إلى التأريخ ليثبتها فييتتبعها من كل مسارب الروايات، حتى وإن لم تثبت هذه الروايات أمام المنهج التأريخي، ويغفل عن عمد الروايات الأخرى التي تتعارض مع مسلماته، بل ربما موه على الحقيقة بأن يعمل على الطعن في تلك الروايات والإزراء عليها مدعياً العلمية.

٢٩ / ٣١