الرواية التاريخية في الميزان العدوي
الجزء ١ · صفحة ٥يقول في تعريفه لهذا العلم: ( هو في ظاهره لا يزيد على أخبار الأيام والدول ، والسوابق من القرون الأول ، تنمو فيها الأقوال ، وتضرب فيها الأمثال ، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال ، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ، واتسع للدول فيها النطاق والمجال ، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان منهم الزوال )
فهو يفرق في تعريفه الاصطلاحي بين ظاهر التأريخ وبين باطنه ، فيقول في ظاهره: هو الأمثال والأقوال والقصص والحكايات والمرويات التي سيقت إلينا عن الماضي ، بغض النظر عن أي فلسفة أو أي اتجاه في هذا الجانب.
أما في باطنه فيقول في تعريفه: ( وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق .
أي هو التنقيب في صحة الحكايات والأخبار المروية لنا ، والبحث في اتجاهها، وتحليل قضاياها ؛ هل هي واقعة فعلاً أم هي كذب وبهتان وأساطير وردت إلينا؟ … فإذاً ؛ ليس هو مجرد أخذ الروايات على ظاهرها ؛ بل التحقيق والمقارنة لأحداث التأريخ.
لأجل ذلك نجد هنا السقطة التي يقع فيها الكثير من الناس عندما يأخذون الروايات على ظاهرها بدون تحليل ومقارنة ، أو تفنيد للخطل منها ، فهو يدعونا أن نتعمق ونسبر أغوار هذه الروايات.
المؤرخون والمتطفلون:
ويقدم لنا ابن خلدون مقارنة بين منهج فحول المؤرخين وبين تطفل المتطفلين على هذا الفن ، حتى نقف على مَن سقط في مهاوي التخليط وساق الروايات بدون وعي للبعد التأريخي وأحوال الأمم والجماعات والأفراد…
ثم وصلت إلينا هذه الروايات بما عليها من غبش وكدر ، وبعد ذلك يأتي مَن يأخذها كحاطب ليل ، لا يعي صدقها من كذبها ؛ ولا خطورتها من سلامتها.