الرواية التاريخية في الميزان العدوي
الجزء ١ · صفحة ٦يقول ابن خلدون في منهج المؤرخين المسلمين: ( وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها ، وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها ، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها أو ابتدعوها ، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها ، واقتفى تلك الآثار الكثير من بعدهم واتبعوها ، وأدوها إلينا كما سمعوها ، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها ، ولا رفضوا ترهات الحديث ولا دفعوها، فالتحقيق قليل ، وطرف التنقيح في الغالب كليل ، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل ، والتقليد عريق في الآدميين وسليل ، والتطفل على الفنون عريض وطويل ، ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل ، والحق لا يقاوم سلطانه ، والباطل يقذف بشبهات النظر شيطانه، والناقل إنما هو يملي وينقل، والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل، والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل)
إذاً ؛ لدينا اتجاهان في نقل التأريخ:-
1- اتجاه استوعب حوادث التأريخ وألمَّ بأخباره ووقف على خصائص الأمم والجماعات ، ويملك قدرة على المقارنة الروائية والتحليل المنطقي للوقائع ، ورد جزئيات التأريخ إلى إطارها العام ، وهذا الإطار تدخل فيه المعتقدات الدينية والأبعاد السياسية والمناحي الاقتصادية والاجتماعية ، بل يدخل في ذلك المنازع النفسية للأفراد والتركيبة الاجتماعية للجماعات ، وغيرها الكثير مما يحتاجه المؤرخ الفحل.
2- واتجاه ينقل لنا التأريخ متطفلاً عليه ؛ لا يعرف مدخله من مخرجه ، ولا سقيمه من عليله ، ولم يستوعب ما استوعبه المؤرخ الأصيل ، وهذا وقع كثيراً ، فقد وقع فيما يسمى بالإسرائيليات والدخيل في التفسير ، فقد دخلا فيه ووجها أذهان المفسرين إلى أشياء بعيدة عن روح القرآن وعن حركته التي يريدها من المسلمين ، وعن المبادئ الخلقية والسلوكية العظيمة التي جاء بها، فسيقت الروايات هذا المساق، حتى يكاد أن نقول: إنها غطت على المقصود من القرآن الكريم…