الرواية التاريخية في الميزان خميس بن راشد بن سعيد العدوي

الرواية التاريخية في الميزان العدوي

الجزء ١ · صفحة ٨

ونتحدث هنا عن خطورة اتجاه المتطفلين على التأريخ وهم موجودون –للأسف الشديد- مع عمق التأريخ نفسه، وفي الأمة الإسلامية وجد التزييف التأريخي لرؤيتها الحضارية منذ قديم الزمان؛ منذ أن اختلفت الأمة فيما بينها، وأخذ كلٌ يضع الأقوال في صالحه والروايات التي تؤيد مذهبه وتنتصر له، وهنا أذكر قصة مثالاً على هذا التزييف؛ ذكرها ابن عساكر، وهي عن رجل كان طالباً للعلم ساعياً لجمع فرائده، نزل الشام ودخل عاصمتها دمشق، فدخل إلى جامع من جوامعها ووجد فيه حلقة تدريس، فيها شيخ يلقي درساً على تلاميذه، فورد أثناء الدرس اسم الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ومعروف أن أهل الشام كانوا ينتصرون لمعاوية على حساب الإمام علي في ذلك الوقت، فعندما سمع التلاميذ اسم الإمام علي بن أبي طالب، قال أحدهم: ومن علي بن أبي طالب؟!! فأجاب الشيخ بكلام تقشعر منه الجلود، فمن ضمن ما قاله في حق الإمام علي؛ بأنه رجل مخذول خذله الله ونصر عليه أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه… فاستعظم الرجل هذا الكلام من الشيخ، الذي يزيف الحقائق لتلاميذ في هذا المجلس العلمي، وأخذ الأمر يدور في ذهنه ويتململ، فانفض المجلس، ثم أنه رأى رجلاً مهيباً عليه وقار العلم، فقال: أسأل هذا فلعله يقول خيراً… فأخبره بما سمع، فقال: (اسكت يا هذا؛ إن في هذا الزمان لعجب، إنهم يقعون في أبي محمد الحجاج بن يوسف رضي الله عنه أفلا يقعون في علي بن أبي طالب!!!) فوصل الأمر بهذا الرجل أن يقدم الحجاج بن يوسف السفاك السفاح الفاجر على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

فأنتم ترون أن التزييف التأريخي موغل في القدم، فقد ترك بصماته على مجريات التأريخ، وترك تأثيره الذي تعاقبت الأجيال على تكرار ما يقوله هؤلاء المزيفون في حق التأريخ باسم العلم والرواية.

٨ / ٣١