العزابة
الجزء ١ · صفحة ١٥.
وسوف نصب اهتمامنا بشكل خاص على مظاهر حياة نُسّاك الصوامع (cenobites)، حيث يبدو لنا أن هناك أحد النصوص ألقى الضوء بشكل مقصور عليها، كنا قد عثرنا عليه بالصدفة أثناء دراستنا للمذهب الإباضي: وهو سِيَر الحلقة للشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر(1). ويرجع تاريخ تأليفه إلى بداية القرن الحادي عشر، مما يجعله أقدم سيرة عن الرهبنة في الإسلام عُرِفت إلى يومنا هذا. وتطالعنا ببليوغرافيات المتصوفة في الحقبة السابقة، على فترات متباعدة، بإشارات إلى حياة زهد منفردة أو إلى حياة جماعية مشتركة ومنظمة لمجموعة من الزهاد. ولكن أولى محاولات تحرير قواعد الحياة الواجبة على كل أعضاء هذه التنظيمات الصوفية، حتى وإن كانت تخلو من الوحدة والترابط، كانت قد بدأت فقط منذ بداية النصف الثاني للقرن الثاني عشر، مع ظهور "الطرق" الصوفية.
وليس مستبعداً أن تكون "السير"، التي وثقت لنا بشكل أصيل حياة الزهاد المسلمين في القرن الثاني عشر والتنظيم الداخلي لأحد "صوامع" ذلك الزمان، قد أخذت عن نص سابق أو على الأقل تعكس واقع حقبة سابقة، وربما أيضاً بعيدة.
وتوضح أوجه التشابه بين هذه الوثيقة وسير الرهبان المسيحيين الشرقيين أن هناك رابطاً بين الديانة المسيحية وحركة التصوف الإسلامية والتي يضرب فيها المذهب الإباضي، كما وسبق أن أوضحنا في مواطن سابقة(2)، بجذوره.
***
وسوف يكون من المفيد أن نستعرض سريعاً المؤسسات الرهبانية في الإسلام والتي لا توجد حولها معالجة جماعية، لكي نتفهم المشاكل التي طرحتها الوثيقة.
(1) - أُبلِغتُ عن وجود الوثيقة في المؤتمر الدولي الخامس والعشرين للمستشرقين، والذي عقد في موسكو في أغسطس 1960.
(2) - روبيرتو روبيناتشي "La purita' rituale secondo gli Ibaditi" "طهارة الطقوس عند الإباضية" في Annali dell'Istituto Universtario Orientale di Napoli، N.S. VI، 1957،ص15.