العزابة
الجزء ١ · صفحة ١٧ويبدو مما تخبرنا به عامة المصادر أن الزهاد الأُول عاش كل منهم بمفرده، دون أن يكون بينهم أي رباط أو عقيدة مشتركة. والبعض منهم مثل "القرّاء" (أي قراء القرآن) والقُصّاص (وعّاظ العامة) كانوا يصاحبون الجيوش أثناء الحرب لبث روح الحماسة في نفوسهم. وآخرون مثل الزهاد، والبكّاؤن كانوا يعيشون حياة تقشف وعزلة، لكي يبكوا ذنوبهم وخطاياهم. لكن أثار الحياة المشتركة (الجماعية) عند هؤلاء النُسّاك - بجانب المسودات الأولى للعقيدة التصوفية - نجدها فقط مع نهاية القرن السابع: فالشباب يتخذون من هم أكبر منهم سناً ولياً مرشداً، وكانت هناك حلقات محدودة لتلاميذ تجمعوا حول أحد الشيوخ الموقرين؛ وتضاعف عدد أماكن اجتماعاتها والتي كرسوها لممارسة طقوسهم في جماعة، وظهرت في بعض الأحوال دور (بيوت) خاصة، تشبه بالفعل الأديرة، حيث كان الزهاد، بعيداً عن العالم، يعيشون مثالهم الداخلي ويمارسون في جماعة طقوس العبادات التي تؤدي إليه. وإذا ما صح النبأ، فإن نموذجاً على ذلك قد تكون تلك الحلقة التي أسسها في البصرة الحاكم الأموي عبد الله بن عمرو (54-55هـ/673-75م) والتي ذكرها المؤرخ المصري المقريزي (توفي في العام 846هـ/1442م)(1)، بسند إلى مفسر السير أبو نعيم الأصفهاني (توفي في العام 430هـ/1039م).
(1) - المقريزي، الخطط، الجزء الثاني، ص414.