العزابة
الجزء ١ · صفحة ٣٨ومن المعلوم أن مملكة تيهرت لم تكن علاقاتها، طوال حكمها الطويل (160هـ/776م-296هـ/908م)، طيبة على الإطلاق مع جيرانها السنة والأغالبة من ناحية؛ والأدارسة من الناحية الأخرى. وكان الأغالبة السبب المباشر في سقوط الدولة الرستمية بالقضاء على أهل نفوسة، عصب المملكة، في مذبحة عام (283هـ/896-7م)(1). ثم أن الرستمييون كان لهم صدامات مستمرة مع الأدارسة والذين بعد أن استقروا في بادئ الأمر في المغرب الأقصى، سيطروا رويداً رويداً على وسط المغرب ووصلوا إلى حدود مملكة تيهرت(2). وعليه يصعب التفكير في أن الإباضية في زمن من الصراعات الدموية قد أخذوا أية مؤسسات عن أعدائهم السُنة. ويزيد من الاعتقاد بعدم احتمالية هذا الفرض، أنه مع سقوط مملكة تيهرت على يد الفاطميين وبعد انسحاب من تبقي من الإباضية على قيد الحياة في إقليم الجنوب، انتقل جزء كبير من المغرب إلى هرطقة الشيعة؛ والذين ما كانوا ليتساهلوا مع أي شكل من أشكال التصوف، بدرجة قد تحملنا على الاعتقاد بأن المؤسسات التصوفية السُنية قد انقرضت هي الأخرى من المغرب(3).
على أية حال، فنحن لا نستبعد، على الرغم من الأوضاع السياسية الصعبة، إمكانية أن يكون هناك تبادلاً دينياً ثقافياً بين الإباضية والسُنة، في تلك الفترة من التاريخ المغاربي- وفي مرحلة تالية فلقد درس كاتب وثيقتنا، كما سنرى، علم النحو واللغة العربية في القيروان(4)- وستظل هناك دائماً الحاجة إلى إثبات أن الأوائل الذين اشتهروا بنزعاتهم الصوفية، أن هناك شيئاً ما تعلموه من الآخرين.
(1) - E. Masqueray، Chronique مرجع سابق، ص194.
(2) - البكري، مرجع سابق، ص103.
(3) - G. Marcias، Note sur les ribats en Berberie، في MelangesRene Basse، الجزء الثاني ص405، علق قائلاً أن التخبط الذي سببته هرطقة الشيعة في الحياة الدينية في البلاد لم يكن بكل تأكيد في صالح تطور المؤسسات الدينية.
(4) - أنظر الصفحات التالية، ص57.