العزابة
الجزء ١ · صفحة ٤٠وربما تجعل الصعوبات التي طرحناها البعض يميل إلى الفرض بأن الحلقة، كمُعتَكَفِ للزهد والعبادة، ترتبط بحياة الزهد في بدايات الإسلام. لقد وضحنا في مواطن أخرى كيف أن المذهب الإباضي تتخلله روح ذات مذاق خاص ألا وهو مجتمع العُباد، مجتمع القرّاء، مجتمع القصاص والبكائين والذين دفعهم قلقهم الكبير ذا الطابع الأخلاقي-الديني، إلى أن يكرسوا أنفسهم منذ بداية القرن السابع إلى حياة الندم والحمية(1). ولذلك فيمكن الاعتقاد أنه كان هناك تطوراً صوفياً عند الإباضية يوازي نفس التطور الذي حدث عند السُنة وأن نفس المؤسسات الرهبانية تَعَاصَر ظهورها في كلا المذهبين. وليس مستبعداً أن يكون الأباضيون بالفعل هم أول من أعطى إشارة البدء لتكوين التجمعات التصوفية المعتكفة، يدفعهم في ذلك، مفهومه التصوفي شديد الصرامة. ويمكن القول بأن حلقة البصرة والتي أسسها راوي الحديث الإباضي أبو عبيدة التميمي والتي أشرنا لها بالفعل(2) كانت النموذج الأول. ويمكن أن يكون الإباضيون قد نقلوا مثل هذه المؤسسات إلى المغرب وحافظوا، بفضل انعزالهم، على نفس الشكل الذي أسست عليه في البصرة حيث كانوا متواجدين جنباً إلى جنب مع السنة، أو أنهم عدّلوا فيها بعض الشيء تماشياً مع الظروف التاريخية.
***
إن تطور الرهبانية الإسلامية، والتي حددنا فقط ملامحها الخارجية، سوف تتحدد معالمه وفقاً للخطوط العريضة التي سنعرضها الآن.
(1) - روبيرتو روبيناتشي، La purita' rituale مرجع سابق، ص15.
(2) - أنظر أعلاه ص50.