العزابة
الجزء ١ · صفحة ٦١فطلبة القرآن يقرءون ألواحهم بين الظهر والعصر حتماً، وبعد العصر إستحباباً، وصفة هيئتهم حينئذ أن يشتملوا فلا يظهروا من أجسادهم شيئاً، ويستندوا ألواحهم إلى الأساطين ويقابلوها غير مستندين، ولا مكثرين من الالتفات، وبين العشاءين في وسط الساحة غير مستندين، وقد أبيح لهم الاستناد في غير هذين الوقتين، إن شاءوا، والأفضل للأصغرين ترك الإستناد، لا يتعرضون إلى ما ليس بشأنهم غير دراسة القرآن، إلا ما قد عناهم من العبادات وفرائض الإسلام: كالطهارة والصلات والصيام وما أشبه ذلك، فإن امتدوا إلى غير ذلك. "كره مشي الغراب مع الحمام" على أنه من كان ذا فهمٍ وقلبٍ ذكيٍ وأعطاه الله قدرة على تحصيل هذا وهذا، فلابأس بالازدياد من الخير.
وطلبة العلوم، أما طلبة الأدب فإن إتفق أن يكونوا أصحاب لويحات وصُغُرٍ في السنِ فينبغ لهم التأسي بطلبة القرآن في ترك الاستناد، وأما أصحاب الكتب فشانهم الإستناد في أركان المسجد والأبواب وإلى الأساطين وحيث يستحسن واستُحسِنَ منهم، ولهم أن يجتمعوا للبحث والمذاكرة والمناظرة ما لم تفض إلى توغير الصدور، ويكون هذا دأبهم، ولابد أن يكون لهم وقت معتاد يكون فيه الميعاد للحضور على الأساتيذ، ويؤدب من غاب من التلاميذ، فيأخذ كل منهم درسه على أستاذه، ويجعل ما يتلقنه أكد ملاذه وملاذه، ثم إذا كانت ختمة غداة وحضر الشيخ، فإن هنالك طرقاً كلها حميدة، وذلك أنهم إما أن يتداولوا وضع السؤال فيبتدئون بالسؤال يوماً يوماً، فمن أفضت إليه النوبة وغاب اجتهد فيه، وأما أن يسأل أفصحهم لساناً وأكثرهم بياناً، وإما أن يسأل أشدهم إحتياجاً في ضرورات دعت أو لنازلة وقعت.