الإيمان بالغيب للشيخ محمد أيوب صدقي معدلة_ Optimized
الجزء ١ · صفحة ٤٩ويستوقفني بهذا الصدد ردّ الشيخ على استشهاد مقال "الإيمان بالغيب" بالآية التي تتحدث عن سيدنا زكرياء عندما شاهد إكرام الله لكفيلته مريم كلما دخل عليها المحراب وسألها عن مصدر هذا الرزق فأجابت: {هو من عند الله … تذكر على الفور حاجته إلى الولد ورفع إلى الله طلبته بذلك، وسجلت الآية هذه المأثرة بالمكان لا بالزمان ﴿هنالك دعا زكرياء مرته … ﴾، فاستفسر السائل الشيخ عن رأيه في {هنالك هذه التي وردت في المقال؛ فأجاب: إنها شرع من قبلنا، وما شرع الأنبياء من قبلنا لا يلزم أن يكون شرعاً لنا والشيخ لا يخفى عليه ما يقرره الأصوليون في الاستدلال بشرع من قبلنا، فهم يقسمون ما يثبت نقله من
ذلك بطريق قطعي (قرآن) أو سنة صحيحة) إلى ثلاثة أقسام:
قسم أقرته شريعتنا كآية ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ فواجبنا أن نعمل بمقتضاه
على أنه من شريعتنا وقسم ورد ذكره و ثبت نسخه في شريعتنا مثل الأمثلة التي استشهد بها الشيخ، وهو نفسه قد أفاد أنها لم تعد سارية المفعول في شريعتنا؛ فقضية الانتحار وسيلة توبة ذكرها الله في البقرة على لسان موسى القلة موصياً قرمه أن يقتلوا أنفسهم قائلاً: ﴿يا قوم إنكم ظلتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارتك فاقتلوا أنفسكم … ﴾ وأفاد أنها منسوخة بآية ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾. وقضية ذبح إبراهيم ولده إسماعيل عليهما السلام كما تقول الآية: {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك … أفاد أنها لم يعد في شريعتنا ما يفيد استمرار التضحية بقرابين بشرية، ويروى في الحديث: «لو ذبح إبراهيم ولده لكنتم تذبحون أولادكم إلى يوم القيامة»، على أن الواقعة نفسها حسمت في حينها بفداء ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾. وقصة مساهمة سيدنا يونس الي بنفسه في العبارة التي انتهت لسوء حظه بالقائه في البحر ﴿إذا بق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين﴾، فهذا الأسلوب مرفوض في شريعتنا لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾.
إذن فأمثلة الشيخ كلها غير ذات موضوع، ولا يصح الاستدلال بها مادامت ملغاة في شريعتنا وقسم لم يرد عنه ما يفيد إثباته ولا إلغاءه، وهذا محل خلاف بين الأصوليين وأكثرهم يرى اعتماده دليلاً شرعياً، مثل الجعالة التي ورد ذكرها في قصة يوسف: ﴿قالوا نفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾، وتعتبر الجعالة مشروعةً في شريعتنا استناداً لهذا الدليل، وإلى ذلك يشير الشيخ السالمي رحمه الله في الألفية الأصولية:
(4)