بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز: قراءة في فكر محمد شحرور أبو نصر بن محمد بن عمر شخار

بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ١١

تقدير إعرابي لم يرجّحه الزمخشري وإنما رجّح الوصفية، أما ما فهمه شحرور من الحالية فأمر غامض لا يتحمله تركيب الآية، وإنما هو فهم أتى لتطويع معنى الآية ليتماشى مع نموذجه الذي يتصوره في تجزئة المصحف إلى كتب، ثم يقترح حكمةً لهذا التداخل بأنه يمنع تزوير آيات الأحكام كما فعل أهل الكتاب وهذا بعيد كذلك لأن أهل الكتاب زوّروا جميع أنواع الآيات من الأحكام إلى الآيات الكونية إلى آيات اليوم الآخر، كما أن هذه الحكمة المفترضة لا تبرر التفسير المتعسّف الذي اقترحه.

ومن نتائج هذه التفرقة أنه يرى أن آيات الأحكام لا توصف بالحق، وإنما "القرآن" فقط يوصف بذلك (ص 105)، ويتكلف في سبيل هذا تكلفا بالغا، ولا أدري كيف يفهم مثلا قوله تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا" [النساء: 105]، فهي وصف للكتاب كله، ووصف أتى في السياق الحكم بين الناس.

ولم يكتف بمحاولة سلب وصف "الحق" من آيات الأحكام بل حاول أن ينزع منها أي إعجاز وجمال بيان، فيصفها بأنها آيات "سهلة الفهم" بخلاف آيات القرآن، وأن "أي إنسان يفهم آية الإرث وآية الوضوء وأي إنسان يفهم أحكام الصوم … " (ص 159)، ويقارن ذلك مع تعقيد آيات الكون، وهنا نجد عدم انسجام في معيار المقارنة، فإن كان المقصود من السهولة يسر الفهم اللغوي فلا تختلف آيات الأحكام عن آيات الكون، وإن كان الغرض إدراك الأبعاد الكونية والاجتماعية ومقاصدها؛ فلا تختلف كذلك آيات الأحكام عن غيرها في تعقيد فهم المصالح والحكم الاجتماعية والقانونية لتلك الأحكام، بل قد تكون الظاهرة الإنسانية أكثر تعقيدا من الظاهرة الطبيعية. ولما يحاول أن يضفي على آيات الأحكام مزيدا من النسبية يقضي بأن آيات الأحكام تخضع في فهمها لأسباب النزول الظرفية، مع نفي علاقة "القرآن" بأسباب النزول (ص 159)، رغم أن آية سورة الفرقان المتعلقة بأسباب النزول استعملت لفظة "القرآن"، ويذهب أبعد من ذلك لما يقرّر وجود المنسوخ في آيات الأحكام، ويرى أن ترك الآيات المنسوخة في المصحف إشارة لنا إلى أن آيات الأحكام يمكن أن تنسخ! (ص 160 - 161)، فهل يعني أنه يمكن لشحرور مثلا أن ينسخ ما شاء من آيات الأحكام متى رأى حكمةً في ذلك؟!

ذلك

ودوما في سبيل إعطاء قيمة هامشية لآيات الأحكام نجده يصفها بالذاتية، إذ إن الموضوعي هو ما كان حقيقةً خارج الوعي البشري، عرفه الناس أم لم يعرفوه، ويقال له حق وباطل، أما الأحكام الشرعية فهي "ذاتية" يقال لها حلال وحرام، واعتبر الأحكام ذاتية لأنها راجعة لاختيار الإنسان إن شاء عمل بها أو تركها، وهذا المعيار الفارق لا يستقيم، كما أن في هذه المقارنة مغالطة تغيير المعيار، فالأحكام باعتبار صدورها من خالق عليم حكيم تدل على أقصى درجات الموضوعية في تحقيقها للمصلحة والحكمة، وتلك المصلحة متحققة في موضوع الحكم بغض النظر عن التزام الإنسان بها أو تركها على غير تفسيره الغريب للذاتي بأنها الأشياء التي تذهب مع ذهاب الإنسان، فإن مات الإنسان ذهبت معه أعماله، فكانت الأحكام الشرعية ذاتية! (ص 105)، ولعل هذا التحليل هو نتاج أيديولوجية مادية يصدر منها الكاتب، ترى نسبية الأخلاق، وأن الوجود المثالي للفكر والأخلاق مجرد أوهام ذاتية، وإن كنا نتفق

11