بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ١٢بوجود الفارق الموضوعي بين آيات الأخبار والأحكام من حيث حتمية الأولى ووقوع الثانية في دائرة الاختيار؛ فإننا لا نرى أثرا لهذا التفريق على وصف الأحكام بالذاتية من حيث صدورها مجردة من مشكاة الحكمة الربانية المطلقة. ومن عجيب تطويعه للآيات لتتفق مع هذه القسمة المفترضة أنه أراد أن يعطي للفساد معنى كونيا في سياق الأوامر التشريعية في قصة شعيب: "فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إصْلَاحِهَا" [الأعراف: 85]، فهو يرى أن الأمر بوفاء الكيل هو أمر تشريعي أما النهي عن الإفساد فهو نهي عن الخروج عن تعليمات رب العالمين (ص 137)، وإذا أخذنا بمعياره في التفريق بين التشريعات والآيات الكونية والذي هو الحتمية والاختيار؛ فكيف نسمي قانونا موضوعيا النهي عن الإفساد ومخالفة القانون الطبيعي مع قدرة الإنسان على انتهاك ذلك؟ أما إن كان تفريقه قائما على طبيعة ما تمت مخالفته، بحيث إن الإفساد مخالفة لناموس طبيعي والفسوق مخالفة لناموس أخلاقي فهذا كذلك لا يخرجها من دائرة التشريعات مادامت أمرا قابلا للامتثال والانتهاك، ولا فرق بين قانون في الكون وقانون في الأنفس أو في المجتمع.
تخلف
وبعد هذه التحكمات الاعتباطية يذيل كلامه بكلام عاطفي لا تسنده الحقيقة التاريخية، معتبرا سبب المسلمين المعاصر هو عدم تفرقتهم بين القانون الكوني والأخلاقي؟ تُرى ما سبب التقدم المادي لدول إسلامية سابقة وتفوقهم على الأمم الأخرى وبفهم للوحي يخالف فهم الكاتب هذا؟ وهل سيتقدم هذا العالم المتخلف بمجرد تفريقه بين "أم الكتاب" و"القرآن"؟ وهل توجد أصلا بلاد إسلامية حاليا تعمل بالمنظومة التشريعية الإسلامية بعيدا عن المنظومة العلمانية المستوردة؟ فهو يسقط في مغالطة "رجل القش" بافتراضه أن المسلمين يعتبرون الأحكام من القوانين الكونية، لأنهم لم يفرقوا بين القرآن وأم الكتاب، وأنهم يعتقدون أن الناس مجبرون على اتباعها، فيفترض هذه النتيجة ويسخر منها، ولا قائل لهذه النتيجة من المسلمين، ثم يسوق إشكالية مسائل القدر ويربط بها سبب بيان رأيه في هذه المسألة القدرية الدقيقة (ص 157).
التخلف دون
وفي سبيل بيان انسجام مسألة ذاتية الأحكام" ضمن منظوره وقع في تكلّفات لغوية بالغة، فمثلا عند بيانه للفرق بين الإنزال والتنزيل وأن الإنزال هو التحويل إلى دائرة المدركات؛ يفسر قوله تعالى: "ليلة القدر خير من ألف شهر" بأن معنى "الشهر" هنا من الإشهار مثل الشهر العقاري، وكلمة "ألف" من التأليف، أي أن إشهار القرآن خير من كل الإشهارات مؤلفة بعضها مع بعض، رغم أن الخيرية نسبة لليلة القدر وليس للإنزال أصلا (ص 153)، كما تكلف تكلّفا بالغا في بيانه أن كلمة الحديث في قوله تعالى: "ما كان حديثا يفترى" من الحدث وهي أحداث كونية وإنسانية، فأنزل القرآن ليجمع الحدث الكوني (الآيات الكونية) والحدث الإنساني (القصص) (ص 93)، ولا أدري كيف سيفهم مثلا قول الله تعالى: "وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا" [النساء: 87] باستعمال تلك الدلالة؟ وفي سبيل مزيد تهميش لآيات الأحكام وسلب القدسية الربانية عنها ركّز على الفارق بين النبوة والرسالة، الخبر، أما الرسالة فهي مجموع الأحكام والأخلاق (ص) (54) ولكنه لم يقدم دليلا مقبولا على عدم إمكان ورود لفظ "النبي" بمعنى الإنباء والإخبار عن الأحكام الشرعية، ولكنه بمجرد تخيل هذا الفهم الظني الذي
فالنبوة من
"النبأ"
بمعنى
127