بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز: قراءة في فكر محمد شحرور أبو نصر بن محمد بن عمر شخار

بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ٤

لِلْمُؤْمِنِينَ" [الأعراف: 2]، أو يقول: "الركِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الحَمِيدِ"، فبأي منطق نفهم من هذه الآيات أنه يتكلم عن جزء خاص من الآيات المنزلة وليس عن الوحي كله! ويقوده هذا المنهج إلى التكلّف البالغ في تعامله مع المادة اللغوية "كتب"، فالكتابة عنده لا تعني الخط بالقلم وإنما مجرد الجمع الشفوي لأجزاء موضوع معين، فهي تعني مثلا الجمع الشفوي لتفاصيل العقد في آية الدين (ص 142 - 143)، واستحضر أيها القارئ النبيه أن فعل "كتب" في آية الدين تعني مجرد المشافهة بجزئيات الاتفاق على فهم الكاتب، وحاول أن تفهم معنى الإملاء ومعنى كاتب العدل، ومعنى استثناء التجارة الحاضرة عن الكتابة، وكذا استثناء ن كان على سفر ولم يجد كاتبا بأن يكتفي برهان مقبوضة .. إلخ!.

من

واستعماله لمبدأ عدم الترادف فيه مغالطة خفيّة، فعدم ترادف الصفات لا يعني بالضرورة اختلاف ذوات الموصوف، فالله تعالى "عليم خبير حكيم"، فلكل صفة معنى خاص ولكن لا يعني اختلاف ذات الموصوف وتعدّده بالضرورة، وابن فارس نفسه الذي يستلهم منه الكاتب هذا المبدأ ينفي التلازم الضروري بين اختلاف الصفة واختلاف الذات، فيقول في معرض الردّ على الاحتجاج عليه بأن انعدام الترادف يعني عدم جواز أن يُعبر عن الشيء بالشيء بقوله: "إنّما عُبّر عنه من طريق المشاكلة، ولسنا نقول إن اللفظتين مختلفتان فيلزمنا ما قالوه، وإنما نقول إن في كل واحدة منهما معنى لَيْسَ في الأخرى "2، وهذا الأمر جلي في عدة آيات كقوله تعالى: "غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ" [غافر: 3]، فحمل الأوصاف لمعان مختلفة لا يعني بالضرورة الكلام عن ذاتين مختلفتين، كما أن العطف لا يقتضي المغايرة بالضرورة في الذات، فمغايرة الصفات كافية للعطف، فالله تعالى يقول: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ"

[الحديد: 3]، عطف بين متحد الذات مختلف الصفات، وفي سياق تفسير قوله تعالى: " الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ" يقول إمام اللغة الزمخشري: "فإن قلت: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ أَهُم غير الأولين أم هم الأوّلون؟ وإنما وسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك هو الشجاع والجواد، وفي قوله: إلى الملِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهمام … وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المزدحم وقوله: يَا لَهُفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ … الصَّابِحِ فالغَائِم فَالْآيب؟ "3. فهذا الأمر معهود في لغة العرب، ولا يغيّر من هذا دعوى وقوع الترادف أو عدمه، بل إن الكاتب نفسه يفهم أن العطف بين الذكر والقرآن في قوله تعالى: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين" بأنه على تغاير الصفات وليس بالضرورة تغاير الذات، فيرى بأن الذكر يدلّ على صفة العبادة والقرآن يدلّ على العلم والاستقراء والمقارنة مع اتحاد الذات (ص 64)، ولكنه يأبى أن يعترف بهذا المعنى البلاغي في العطف بين الكتاب والقرآن وغيره. وفي هذه التقسيمات جميعها لا نجده يحرص على بيان المناسبة الدلالية بين الاسم والمسمى، بين المحكمات وأم الكتاب وآيات الأحكام والقرآن وآيات الكون، ولا بين دلالة "قرآن مجيد" والحقائق الكونية الثابتة والجنة والنار، ولا

2 ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، نشر: محمد علي بيضون، ط 1، 1418 هـ/1997 م،

ص 60.

3 الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، ط 3، بيروت 1407 هـ، ج 1، ص 41.

4