بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز: قراءة في فكر محمد شحرور أبو نصر بن محمد بن عمر شخار

بؤس القراءة الحداثية للوحي العزيز- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ٥

11

بين "إمام مبين و كتاب" "مبين وأحداث الطبيعة، ولا بين "الكتاب المبين وأحداث التاريخ والقصص القرآني، ولا نجد بيانا للدلالة الفارقة بين تنكير "كتاب مبين" وتعريفه ليدل على حقائق وماصدقات مختلفة! فهي مجرد قسمة اعتباطية لا يسندها بيان ولا منطق مقبول.

ويتضح للمتابع بجلاء أن الغرض من هذه التقسيمات الاعتباطية هو محاولة سلب كل قدسية وثبات وإعجاز من آيات الأحكام، بحيث انطلق من عزلها عن غيرها من الآيات، ثم سلب عنها صفة الثبات والتبيين والإعجاز، ليتفرد بها لاحقا بالتفكيك، وجميع ذلك بمنهج انتقائي تحكمي مليء بالثغرات والقفزات ولي أعناق الآيات لتنسجم مع النموذج الجاهز لخطته المعلنة ابتداء.

الانتقائية والتحكم

وطريقة التحكم والقفز إلى النتائج من غير مقدمات سليمة ولا أدلة مقنعة تملأ كتابه، حتى إن القارئ لكتابه ليُصاب بالإنهاك والتعب، لا لصعوبة تركيبه وعمق معانيه، وإنما للفوضى المنهجية والقفز المستمر دون بينة، فقد دأب على استعمال نتائج مشكلة مقدماتٍ لإشكالات أخرى، ليصل إلى نتائج مشكلة أخرى تكون مقدمات لغيرها وهكذا، ومثاله أن يستعمل المقدمة غير المثبتة أن "آيات القرآن فقط وقع عليها الإنزال جملة واحدة" ليستدل بها على أن القرآن جزء من المصحف وليس كله، وبما أن آيات الأحكام اقترن إنزالها بتنزيلها في قوله تعالى "لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال"، وبما أنه قال أنزلت سورة" فهذا يتناقض مع إنزال القرآن جملة واحدة (المقدمة المشكلة، فقيَّد الإنزال بالإحكام، والإحكام لا يتعلق بالقرآن وإنما بآيات الأحكام المقدمة المشكلة الأخرى)، فدل ذلك أن القرآن غير المصحف النتيجة المفترضة) (ص 163)، فهو دور دائري لا تكاد نتيجة منها تنتج من سليمة حتى تجدها مقدمة لنتائج أخرى، حتى يصاب القارئ المنتبه، بالإنهاك، فإما أن يقع في وهم أن الأمر دقيق ومرتب وأعلى من مستواه فيقبل بالنتائج دون تمحيص، وإما أن يترك الكتاب ويمضي، وعملية الاعتباط هذه ليست أمرا استثنائيا وإنما هو أمر غالب في جنبات هذا الكتاب وعليه أسّس أغلب استنتاجاته. وإضافة لما

مر معنا

مقدمات

من أمثلة يمكن ضرب مزيد من الأمثلة على هذه المنهجية غير السوية، فنجده مثلا يفرّق من غير دليل بين مصطلح "القرآن" معرفا و "قرآن" منكرا، فيقول إن الثاني جزء من الأول، ثم يحشو الآيات حشوا من غير دلالة على محل البحث (ص 74)، ليفترض من غير دليل أن "قرآن مجيد" تعني الحقائق الكونية التي لا تتبدل مثل "الانفجار العظيم"! وهو جزء من "القرآن" بالتعريف، بمعنى أن قوله تعالى "ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ" يشير إلى جزء من المصحف، أما قوله: " بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ" فيعني جزءا من ذلك الجزء، هكذا تحكّما ومن غير حجة وتبرير محترم. أما القسم الآخر من القرآن فهو "الإمام المبين" وضمنه "الكتاب المبين"، وليس "الكتاب" مطلقا، فإن تلوت مثلا قوله تعالى "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ" [الشعراء: 2] فالمقصود القصص فقط، وأما إن قرأت "الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ" [الحجر: 1] ففيه عطف عام على خاص الخاص، فـ"الكتاب" هو كل الوحي، و"قرآن مبين" هو جزء من "القرآن" الذي هو جزء من "الكتاب"، وإذا قرأت قوله تعالى: "طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ" [النمل:

5