العقيدة الوهبية ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

العقيدة الوهبية

الجزء ١ · صفحة ١١٠

لأبي مسلم البهلاني

العقيدة الوهبية وهكذا لو قلت له: ضَيَّقَ اللهُ قَبْرَكَ، ونَوَيْتَ خِزْيَ الآخِرَةِ، أو التَّصْبِيْقَ الخَاصَّ بالكافِرِ؛

كانَ بَرَاءةً كافِيةً، فانْظُرْ حَالَ مَنْ تَرْمِيهِ بِهَذِهِ العَدَاوَةِ، فلا تَرْمِ بها وَلِيّاً للَّهِ

التلميذ: هَلْ يَجُوزُ الدُعَاءُ الأُخْرَوِيُّ لِعَدُوِّ للَّهِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ مَعَ صَرْفِ الْقَصْدِ؟ وَمَا وَجْهُ الْجَوَازِ إِنْ جَازَ؟

الأستاذ: يَجُوزُ إِنْ كَانَ فِي الْكَلَامِ مَنْدُوحَةٌ، أَو تَجْعَلُ الْخِطَابَ مُنْصَرِفٌ إِلَى وَلِي تَعْنِيْهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَوَاقِع جَلْبٍ نَفْع، لا لِمُكَاثَرَةٍ، أَو دَفْعِ ضَرَرٍ مُتَّحَقِقٍ، وَفِي مَوَاضِعِ الْتَّقْيَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ لِلْكَلَامِ مَنْدُوحَةً وَوَجْهَانِ: ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، كَمَا لَوْ قُلْتَ لَهُ: رَفَعَ اللَّهُ شَأْنَكَ فِي الْآخِرَةِ، وَتُرِيْدُ بِالْرَفْعِ مُجَرَّدَ إِزَالَةٍ شَأْنِهِ، أَو تُرِيْدُ

بالْآخِرَةِ بَلْدَةٌ أُخْرَى، وَمَا يُضَارِعُ هَذَا مِنَ الْعَبَائِرِ الَّتِي يَتَوَجَّهُ لَهَا مَعْنَيَانِ

التلميذ: وَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يَقُولُ: " اللهمَّ لَا تَجْعَلَ لِكَافِرٍ عِنْدِي نِعْمَةٌ أُحِبُهُ عَلَيْهَا " وَيَقُولُ: "جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا " فَلَوْ أَحْسَنَ إِلَيَّ عَدوّ لِلَّهِ لَمْ أَشْك فِي تَأْثِيْرِ إِحْسَانِهِ مَيْلاً وَحُبَاً فِي النَّفْسِ إِلَيْهِ، فَهَلْ يَصْرُنِي ذَلِكَ الْمَيْلُ الْطَبِيْعِي؟

الأستاذ: لا يَضُرُكَ الْحُبُّ الطَّبِيعِيُّ حَتَّى يَخْلُصَ وِلَايَةً دِيْنِيةً، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ اعْتِقَادِ الْبَرَاءَةِ الدِّينِيَةِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا سَأَلَ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم رَبَهُ

أَنْ لا يَجْعَلَ لِكَافِرٍ عِنْدَهُ يَداً يُحِبُّهُ عَلَيْهَا لِإِخْلَاصِهِ الْكَامِلِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، واسْتِنْثَارِهِ بِاللهِ وَحْدَهُ عُبُودِيَّةً وَحُبَّاً، وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلم حُسْنَ العُشْرَةِ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ، لَيِّنِ الْجَانِبِ، مُتَمِّمَاً لِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحاً فِي تَمَامِ بَرَاءَتِهِ

مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَلَا ضَيْرَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وَالْمَلَايَنَةِ، وَطِيْبِ الْكَلَامِ، وَالْمُعَاشَرَةِ بِالْجَمِيْلِ، وَالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ، مَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجُ الْوَلَايَةِ لِمَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَدَاوَتَهُ، كَما أَنَّهُ لَا صَيْرَ بِالمُهَادَاةِ، والمُسَاعَدَةِ بِالمَالِ، والْإِغَاثَةِ مِنْ ظُلْمٍ، وَالمُعَاوَنةِ عَلَى البِرِّ

والتَّقْوَى، ما لَمْ تَخْرُج المُسَاعَدَةُ إِلى تَقْوِيَتِهِ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، أَو عَلَى ظُلْمٍ نَفْسٍ في ذَاتِ أو مالٍ، أو إلى دَلالةٍ عَلَى ظُلْمٍ مُسْلِمٍ، أو عَلَى عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ، أو ما كَانَ مِنْ هَذا القَبِيل

وبالإِجْمَالِ تَجَنَّبْ فِي جَانِبِ مَنْ تَبْرَأُ مِنْهُ ما يُوجِبُ ولايةً، أو ما يَدُلُّ عَلَيْهَا فِعْلاً

وقَوْلاً، وافْعَلِ الخَيْرَ، واصْنَعِ المَعْرُوفَ في البِرِّ والفَاجِرِ، واللهُ أَعْلَمُ. التلميذ: أُسَلِّمُ عَلَى مَنْ أَبْرَأُ مِنْهُ، وأُعَزّيهِ فِي مَصَائِبِهِ، وَأُهَنِّيهِ فِي أَفْرَاحِهِ؟

شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية

صفحة 110