العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ١٢٩ANNNNNNNX
العقيدة الوهبية
لأبي مسلم البهلاني
وَالحِكْمَةُ فِي وَجْءِ تَعَالَى قَيَّدَ إِعْطَاءَ هم الجِزْيَةَ بِقَوْلِهِ: (وَهُمْ صَغِرُونَ (فَلَا يَكْفِي فِي حَقْن دَمِ الْكِتَابِيِّ مُجَرَّدُ دَفْعِ الْجِزْيَةِ، بَلْ لا بُدَّ مِنْ إِيْصَالِ الذُّلّ والصَّغَارِ إليه، والسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ طَبْعَ العاقِلِ يَتَنَفَّرُ مِنْ تَحَمَّلِ الذُّلّ والصَّغَارِ، فَإِذَا أُمْهِل مُدَّةً وَهُوَ يُشَاهِدُ عِزَّ الْإِسْلام ويَسْمَعُ دَلائِلَ صِحَّتِهِ، ويُشاهِدُ الذُّل والصَّغَارَ فِي الكُفْرَ وأَهْلِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ
عُنْقِهِ، بَلْ فِي إِلْحَاقِ الصَّغَارِ به وعَدَمِ الْإِكْتِفَاءِ بِأَخْذِ الجِزْيَةِ أَنَّهُ
6
ذلك إلى الإِنْتِقَالِ إِلى الإِسْلَامِ، وهُوَ المَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الجِزْيَةِ؛ فَإِنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجِزْيَةِ لَيْسَ تَقْرِيرُ الكِتَابِي عَلَى كُفْره، بَلِ المَقْصُودُ مِنْ أَخْذِهَا حَقْنُ دَمِهِ، وَإِمْهَالِهُ مُدَّةً رَجَاءَ أَنَّهُ رُبَّما وَقَفَ فِي هَذِهِ المُدَّةِ عَلَى مَحَاسِنِ الإِسْلَامِ، وَقُوَّةِ دَلَائِلِهِ، فَيَنْتَقِلُ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ
والحَالُ أَنَّ كِتَابَهُمْ فِي أَيْدِيْهِمْ، فَرُبَّمَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، فَيُبْصِرُونَ صِدْقَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَأُمْهِلُوا لِهَذَا الْمَعْنَى، لَا تَقْرِيْرَاً لَهُمْ وَرِضاً بِهِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ وَجْهِ الحِكْمَةِ فِي صَغَارِهِمْ. وقِيْلَ: إِنَّما أُقِرُّوا عَلَى دِينِهِم
البَاطِلِ بِأَخْذِ الجِزْيَةِ حُرْمَةً آبَائِهِم؛ الَّذِينِ انْقَرَضُوا عَلَى الْحَقَّ مِنْ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيْلِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
التلميذ: مَاذَا يُصْنَعُ بالمُفْلِس بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا عَلَيْهِ؟
الأستاذ: يُطْلَى وَجْهُهُ باللَّبَنِ، أو جَسَدُه بِالعَسَلِ، قَوْلَانِ، وَيُحْبَسُ فِي الشَّمْسِ لِيَتَأَذَّى بحَرِّها، وبالذُّبَابِ والنَّمْلِ.
التلميذ: ما الحِكمةُ فِي هَذا الإذْلالِ، وَلاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ؟
الأستاذ
6
: سبحان الله، لم يَغْفَل العُلَماءُ القَائِلُون بِهَذَا عَنْ أَنَّهُ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ولَكِنَّ هَذا الصَّنِيعَ إِكْرَاهُ عَلَى إِعْطَاءِ الجِزْيَةِ، ولا إِكْرَاة عَلَى الدِّيْنِ، وعِزُّ الْإِسْلَامِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَلَوْ شَاءَ أَن يُعِزَّ نَفْسَهُ، ويَخْرُجَ مِنْ ذِلَّةِ الكُفْرِ كَانَ بِمَحلَ القُدْرَةَ، وَكَانَ حَقِيقَةُ تِلْكَ الإِهَانَةِ إِنَّمَا صَارَتْ إِلَيْهِ مِنْ قَبيلِ اخْتِيَارِهِ، لأَنَّ الغِنى فِي لِسَانِهِ، يُوَجَّدُ الله ويُخْلَى سَبِيْلُه، ولا يَخْفى ما فِي القَوْلَيْنِ مِنَ التَّشْدِيدِ
بَلْ قِيْلَ كَمَا أَسْلَفْتُ لكَ أَنْ لا
جزْيَةَ على مُفْلِس، وَلَكِنْ لا حَقٌّ لِلْنَظَرِ مَعَ وُرُودِ الْأَثَرِ بَلْ قَالَ الْقُطْبُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: إِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ لا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، إِذْ لَا يُكَلَّفُ مَا لَا يُطِيْقُ، وَأَوْلَى مِنْ حَبْسِهِ أَنْ يُسْتَخْدَمَ بِقَدَرِ الْجِزْيَةِ.
التلميذ: مَا حَدُّ سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزِ مَعَهُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ؟
6
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 129