العقيدة الوهبية
الجزء ١ · صفحة ٣٤العقيدة الوهبية
لأبي مسلم البهلاني
التلميذ: مَا هِيَ الصِّفَةُ النَّفْسِيَةُ الوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى؟
الأستاذ: هِيَ الوُجُودُ الذَّاتِيُّ الوَاجِبُ الَّذي لا يَقْبَلُ العَدَمَ، لَا أَزَلَاً وَلَا أَبَدًا، وَيَكْفِي المُكَلَّفَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ تَعَالى مَوْجُودٌ وُجُوْدَاً وَاجِبَاً، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ وُجُودُهُ تَعَالَى عَيْنُ ذَاتِهِ أَو غَيْرُ ذَاتِهِ، لأَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَوامِضِ التَّوْحِيْدِ.
التلميذ: ما هي الصِّفَاتُ السِّلْبِيَّةُ الوَاجِبَةُ لَهُ تَعَالَى؟
الأستاذ: هِيَ القِدَمُ، ومَعَنَاهُ: انْتِفَاءُ الأَوَّلِيَّةِ لِوُجُودِهِ عَزَّ وعَلَا، وَالبَقَاءُ، وَمَعْنَاهُ: انْتِفَاءُ الْآخِرِيَّةِ لِوُجُودِهِ تَعَالى، ومُخَالَفَتُهُ سُبْحَانَهُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَمَعْنَاهَا: انْتِفَاءُ مُمَاثَلَتِهِ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ، فَلَيْسَتْ ذَاتُهُ تَعَالى وَصِفَاتِهَا وَأَفْعَالِهَا كَذَاتِ الحَوَادِثِ وصِفَاتِهَا وأَفْعَالِهَا، قَالَ تَعَالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَمَعْنَى تَسْبِيْحُ الأَشْيَاءِ بِحَمْدِهِ تَعَالَى: أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّمَا أَخْرَجَ شَيْئًا مِنَ الْعَدَمِ فَكَأَنَّهُ قَالَ بِلِسَانِ ذَلِكَ الشَّيء: أَنَا مُنَزَّةٍ عَنْ مُشَابَهَةِ هَذَا الشَّيءِ الَّذي هُو عَيْنُه.
وقِيْلَ: لَمَّا أَبْطَلَ اللهُ قَوْلَ الَّذِيْنَ قَالُوا: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، ونَزَّهِ ذَاتَهُ عَمَّا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ عُقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ)) الآيةُ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْأَكْوَانِ بِأَسْرِهَا دَالَّةٌ شَاهِدَةٌ بِتِلْكَ النَزَاهَةِ، ولَكِنَّ المُشْرِكُونَ لا يَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهَا، فَالْقَصْدُ مِنْ هَذَا تَوْبِيْخُهم وتَقْرِيْعُهُم عَلى إِثْبَاتِ الشُرَكَاءِ اللهِ، مَعْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّنْ عَدَاهُمْ يُنَزِّهُهُ عَنْ كُلّ نَقْصٍ.
وقيل: تَسْبِيْحُهُم بِلِسَانِ المَقَالِ، تَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، وَلَا يَسْمَعُ تَسْبِيْحَهُم هَذا إِلَّا الكُمَّلُ، كالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، سَبَّحَ فِي كَفَّه الحَصَى وَالطَّعَامُ، فَسَمِعَهُ هُوَ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ
وأَمَّا جُمْهُورُ السَّلَفِ فَهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ، حَيَواناً أو جَمَاداً، يُسَبِّحُ بلِسَانِ المَقَالِ. وَفَصَّلَ بَعْضُهم فَقَالَ: إِنَّ تَسْبِيحَ العُقَلاءِ بِلِسَانِ الْمَقَالِ، وَتَسْبِيْحُ غَيْرِهِم مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ بِلِسَانِ الْحَالِ، حَيْثُ تَدُلُّ تِلْكَ المَخْلُوقَاتُ عَلَى الصَّانِعِ وقُدْرَتِه ولَطِيفِ حِكْمَتِهِ، فَكَأَنَّها تَنْطِقُ بِذَلِكَ، ويَصِيْرُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ التَّسْبِيح.
شبكة ومنتديات المجرة الإسلامية
صفحة 34